ان المحتوى الاجتماعي للحزب يستمد تركيبه من اختياراتنا الإيديولوجية ومن أفقنا الثوري، كما يبنى على ما استخلصناه من نتائج في تحليلنا للمواقف الأساسية لمختلف فئات المجتمع تجاه قضايا التحرر الكامل السياسي والاقتصادي ومشاكل بناء المجتمع الاشتراكي. فلا غرو أن نكون عن جدارة حزب الجماهير الكادحة الحضرية والقروية الذي يتجسد فيه التحالف بين العمال والفلاحين والمثقفين الثوريين. فنحن حزب الشعب المغربي باستثناء الطبقات المستغلة من إقطاعيين وبورجوازيين طفيليين حلفاء الاستعمار الجديد وركائزه.


جدلية الفكر..جدلية الممارسة..أسئلة التجديد

أكتوبر 9th, 2009 كتبها يـامهدي يـاعمر لا بد من الانتصار نشر في , مقالات متنوعة

 

جدلية الفكر..جدلية الممارسة..أسئلة التجديد
 
سامي خالد

sami_k@yahoo.com
 
خاض الحزب الشيوعي العراقي على مدى تاريخه الطويل معارك بطولية وقدمّ تضحيات جسام, وهو اليوم اعرق حزب سياسي على الساحة السياسية العراقية ومعروف بوطنيته ويحظى بثقة واحترام الرأي العام.
ولكن ذلك بدوره يثير الأسئلة عن الحزب ودوره, إذا ما أخذنا بالاعتبار أن هدف كل حزب هو الوصول للسلطة لتحقيق برنامجه. ومن بين هذه الأسئلة:
-
الى أي مدى نجح الحزب في تحقيق برامجه؟
-
هل مهمة الحزب تحليل الواقع فقط، أم الانتقال بهذا التحليل للتأثير في الواقع باتجاه تغييره كما يقول ماركس؟
-
هل الحزب مؤسسة بحثية تقدم الدراسات والتقارير الدورية( مركز أبحاث) عن الأوضاع، أم مؤسسة سياسية تلعب الدور الريادي في المجتمع؟
-
هل نجحت مؤتمرات الحزبفي الارتقاء بدوره على الصُعد السياسية والاجتماعية والفكرية؟
-
ما الذي حققه الحزب على طريق تحرير الماركسية من الجمود, وتطوير المنهج الماركسي الذي تم اعتماده بوضوح لأجل التصدي للمستجدات المعاصرة؟
-
هل كان المؤتمر الخامس للحزب(1993) انعطافة نوعية، وهل استمرت وتطورت عملية الديمقراطيةوالتجديد التي أطلقها الحزب في مؤتمره الخامس - في المؤتمرات اللاحقة( السادس والسابع والثامن)؟
هذه الأسئلة، وغيرها الكثير، جديرة بالتأمل والتفكير لم تغب عن وثائق الحزب ومقرراته وقبل ذلك مؤتمراته. ولكن هل تمتصياغةأجوبة معلله موضوعية نقدية جريئة حولها؟
اعتقد أن ما تم انجازه - رغم انه ليس بقليل- ولكنه ليس كافياَ اخذين بالاعتبار التغير والتطور والتبدل والسرعة والمفاجئة التي يتميز بها عالمنا المعاصر ومنه العراق الذي شهد خلال العقدين الأخيرين متغيرات حاسمةتداخل وتشابك فيها ماهو داخلي مع ماهو إقليمي ومع ماهو دولي وعالمي.
وسأحاول إبداء الرأي في بعض جوانب الأسئلة وتحديدا منذ المؤتمر الوطني الخامس للحزب، وما تلاه ارتباطاَ بالتغيرات التي شهدها العراق في 2003.
أولا- المؤتمر الوطني الخامس - ظروف انعقاد المؤتمر:
إن التشخيص الدقيق للمؤتمر الوطني الخامس وما حققه يتطلب الأخذ بنظر الاعتبار الظروفالتيانعقد فيهاعلى الصعد المختلفة وما تميزت به تلك الظروف من تغيرات وتفاعلات نشير الى أبرزها:
أ- على الصعيد الوطني/ العراقي:
1.
اشتداد إرهاب وقمع النظام الدكتاتوري (سياسة الإرهاب الشامل) وحروبه الداخلية.
2.
توقف الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت (8) سنوات 1980-1988 وما تركته الحرب من آثار اجتماعية وسياسية واقتصادية.
3.
حرب غزو الكويت 1990 والحصار الدولي المفروض على العراق.
4.
انتفاضة آذار 1991 وفشلها في الوسط والجنوب ونجاحها في إقليم كردستان.
ب - على الصعيد العالمي:
1.
انهيار المنظومة الاشتراكية وتفكك الاتحاد السوفيتي.
2.
نهاية الحرب الباردة، وهيمنة القطب الواحد وإعلان " النظام العالمي الجديد " بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية.
3.
ظاهرة العولمة وتجلياتها، وخاصة عولمة رأس المال، وعولمة الظواهر السياسية والتطور العلمي والتكنولوجي وثورة المعرفة و الاتصال.
4.
الحروب والأزماتوالصراعاتالإقليمية في الشرق الأوسط.
ج- على الصعيد الحزبي:
1.
انتقال الحزب من الكفاح المسلح الى الكفاح السلمي.
2.
العمل في التجربة الكردستانية بعد انتفاضة 1991.
3.
تشكيل الحزب الشيوعي الكردستاني.
4.
تنوع وتعقد عمل الحزب في ثلاث ميادين مختلفة هي:
-
داخل(عمق) العراق - العمل السري.
-
في كردستان - العمل العلني.
-
في الخارج- في أكثر من (30) بلداَ كمنظمات حزبية.
وتتباين ظروف كلميدان رغم الترابط في وحدة البرامج والتنظيم.
في ظل هذه الظروف والمتغيرات وما رافقها من آثار ونتائج و تعقيدات انعقد المؤتمر الخامس للحزب بعد ثمان سنوات على المؤتمر الرابع (1985) وناقش جملة هامة من القضايا السياسية والفكرية والتنظيمية، بجرأة وبمسؤوليةمن المشاركين، مما ينبغي الأخذ بالاعتبار تلكالوقائع عند تقييم تجربة الحزب ومؤتمره الخامس.
ثانيا- عمليةالديمقراطية والتجديد التي أطلقها المؤتمر الخامس.
انطلق المؤتمر الخامس من قناعة بضرورة وأهمية الديمقراطية والتجديد في حياة الحزب الداخلية وفي مجمل نشاطه. والنظرة السريعة للوثائق الصادرة عن المؤتمر كافية لتأكيد ذلك, حيث جاء في البلاغ: ( سادت مداولات المؤتمر الذي حمل اسم مؤتمر الديمقراطية والتجديد أجواء من الحرية التامة والصراحة، واتسمت المناقشات بالعمق والبحث الجاد، والسعي للوصول الى أجوبة معللة للأوضاع التي يواجهها العراق، مما جعله مؤتمراً نوعياً وخطوة هامة على طريق التجديد وترسيخ الديمقراطية).
وبذات الوقت، أقر المؤتمر التباينات في وجهات النظر, حيث جاء في بيان اللجنة المركزيةللحزب الصادر بعد اختتامأعمال المؤتمر الخامس النص التالي المتوفر الآن على موقع الحزب في الانترنت :- (أظهرت مناقشات المؤتمرومداولاته التي جرت في جومن الديمقراطية والمكاشفة الرفاقية الجريئة وجود تباينات في الرؤية, والاجتهاد إزاء مختلف مفاصل الحزب وسياسته الى جانب الحرص الشديد على وحدة الحزب، وتعزيز مكانتهوتطوير نضاله).
هذا التشخيص الدقيق لوضع الحزب في تلك المرحلة، يعبر عن المدخل الصحيح لعملية الديمقراطية والتجديد، التي بدأت بتحليل الأوضاع وتشخيص مواطن القوة والضعف، ثم التحديد الملموس للمعالجات. فالبداية جاءت من القناعة بضرورة التجديد، وأكد ذلك التقرير السياسي والتنظيمي للمؤتمر الخامس الذي جاء فيه: (أن حزبنا لا يستطيعالعيش على أمجاده النضالية فقط وهو مطالب بان يجدد نفسه انطلاقا من كون التجديد حاجة موضوعية ملحّة).
وقد ترجمت عملية الديمقراطية والتجديد في جملة من القضايا من بينها:
-
نشر الوثائق في وسائل الإعلام.
-
الديمقراطية في حياة الحزب الداخلية.
-
مشاركة القاعدة الحزبية في رسم السياسة العامة.
-
علنية الفكر والسياسة .
-
ضمان حق الأقلية في الاحتفاظ برأيها والدفاع عنها ونشرها في الصحافة الحزبية.

هذه القضايا وغيرها وجدت تطبيقها العلمي رغم المعوقات التي واجهتها. وكانت وثائق المؤتمر الخامسدقيقة حينما أشارت الى الصعوبات التيتعترض عمليةالديمقراطية والتجديد ومن بينها:
-
الانشداد الى الماضي وممارساته الخاطئة.
-
حكم العادات المترسخة في سلوك الرفاق القياديين والكوادر والأعضاء والتي يشكل التخلص منها مهمة شاقة.
إذن يمكننا القول أن المؤتمر الخامس أرسى بداية صحيحة وناجحة لعملية الديمقراطية والتجديد في الحزب وعموم نشاطه.. لكن الى أي مدى استمرت هذه العملية على مستوى التنظير والتطبيق؟

ثالثا- عملية الديمقراطية والتجديد في المؤتمرات اللاحقة( السادس، السابع، الثامن)
واصل الحزب التأكيد على الديمقراطية والتجديد في مؤتمراته اللاحقة، ولكن بدرجة اقل وبحماس اضعف وبتطبيق مقيد.
فعلى الصعيد النظري الوثائقي نجد المؤتمر السادس (1997) الذي انعقد بعد (4) سنوات من المؤتمر الخامس وقف عند المنجز من هذه العملية وقيمّه إيجاباَ، وأشار الى أن الجدل قائم داخل الحزب حول الموضوع، وحدد ثلاثة اتجاهات وهي:
1.
الاتجاه المحافظ المتسم بالركود والأنشداد للماضي.
2.
الاتجاه ألعدمي المتسم بالليبرالية والتحلل من الالتزامات السياسية.
3.
الاتجاه التجديدي الذي يسعى باستمرار للاقتراب من الواقع والتعامل بموضوعية مع الظواهر.
وجاء في وثائق المؤتمر السادس( ومن بين هذه الاتجاهات العامة الثلاث هناك وسط لم يتبلور موقفه بعد, يظهر في حالات التأييد العفوي وفق اعتبارات آنية لهذه الوجهة أو تلك. غير أن هناك حقيقة واضحة وهي أن الرأي العام الحزبي الغالب هو مع عملية التجديد والتطوير بالمنظور الذي يسعى إليه الحزب).
الملاحظ هنا، أن المؤتمر السادس لم يقم بتحقيق دفعة الى الأمام على هذا الصعيد، ثم لم تثبت الحياة دقة استنتاجاته بخصوص الاتجاهات الثلاث المذكورة، وإذا وجدت، فهي اقل من ميول متناثرة غير واضحة المعالم والتأثير بما في ذلك الاتجاه التجديدي. وأخيرا نجد أن المؤتمر في الوقت الذي أكد أن التجديد ( مهمةالحزب كلهوليس شأناً يخص القيادة وحدها) حذر بذات الوقت من مخاطر على

المزيد


مشكلات الهوية الدينية: مفارقات النصّ النبوي

أكتوبر 9th, 2009 كتبها يـامهدي يـاعمر لا بد من الانتصار نشر في , مقالات متنوعة

 

مشكلات الهوية الدينية: مفارقات النصّ النبوي
 
علي حرب
الهوية هي اليوم في أشدّ أزماتها، كما يعيشها الذين يشهرون سيف خصوصياتهم الثقافية والمجتمعية في وجه الآخر والعالم. والأزمة مزمنة في العالم العربي، وتزداد تعقيداً واستعصاء. بدليل أنه بعد قرنين من التعامل مع الغرب بوصفه الخصم أو العدو التاريخي أو الحضاري، أصبح الشقيق في الوطن والأخ في الدين هو العدو، كما تشهد الحروب الأهلية والفتن المذهبية في غير بلد عربي. وهذه هي المفارقة والفضيحة والكارثة.
لا غرابة. فهذه حصيلة التعامل مع الذات بعقلية المماهاة والاصطفاء والصفاء والثبات، مقابل التعامل مع الآخر بمنطق الضد والإقصاء أو النفي والاستئصال: ان تصبح الهوية مشكلة لأصحابها، وأن ترتدّ ضد حماتها والمدافعين عنها. آية ذلك أن الهوية ليست ذات مكوّن واحد أو وجه وحيد، وإنما هي متعددة البعد، سواء لجهة العلاقة بالأصل والتراث، أو بالمختلف والآخر، أو بالدولة والوطن، أو بالأحداث والمتغيرات.
وإذا كان لكل واحد من هذه الوجوه إشكاليته، كما تجسد ذلك في تعارضات الأنا والآخر، أو الأصالة والمعاصرة، او الثبات والتحول، او المحافظة والتجديد، فإن هذه الثنائيات قد استهلكت ولم تعد أداةً فاعلة في الفهم والتشخيص والمعالجة، بقدر ما استخدمت على سبيل التبسيط والاختزال أو الحجب والخداع. فلا مجتمع يثبت على حاله، وإنما هو في حراك دائم، وإن غير مرئي. ومن لا يحسن أن يتغيّر في مواجهة المتغيرات، يتراجع وتهمّشه الأحداث. كذلك بالنسبة الى ثنائية الأصالة والحداثة: لا أحد ينسلخ عن تراثه أو خصوصيته، وإنما المشكلة هي أن نقرأ التراث قراءة خصبة وبناءة، أو أن نمارس خصوصيتنا بصورة حية، منتجة، خلاقة، عالمية. في المقابل لا أحد يخرج من زمنه أو عصره. هذا شأن الحركات الأصولية. فهي ليست خارج الزمن والتاريخ. بالعكس. إنها تعيش في قلب العالم ووسط المشهد، لكنها تمارس حداثتها أو معاصرتها بصورة مقلوبة، سيئة أو عقيمة أو مدمرة. هكذا ليست المسألة أن نختار بين قطب وقطب أو بين بعد وبعد، لكي نقع بين فكّي الكماشة، بل أن نحسن إدارة قضايانا باجتراح المساحات المشتركة واللغة الجامعة والصيغ المركّبة.
وإذا كانت مشكلة كل شيء تكمن في مفهومه، فالمعالجة تحتاج الى كسر المنطق الأحادي وتجاوز الثنائيات الضدية، للتعامل مع الهوية ببعدها المتعدد وبنيتها المركّبة وإمكاناتها التواصلية وصيرورتها المتحولة، ولا سيما في هذا العصر، حيث تتعولم المشكلات وتتشابك المصائر.
هنا مقاربة للمسألة من خلال علاقة الهوية بالوطن واللغة والنص والله.
الهوية وأبعادها
أبدأ من سؤال يواجهه الواحد، عادةً، حول علاقته بالدين. وفي جوابي عن ذلك، صرت أؤثر أن لا أعرّف نفسي من خلال هويتي الدينية، وإن كانت بعداً من ابعاد شخصيتي بتراثها وتقاليدها ورأسمالها الرمزي. وإنما اعرّف بنفسي من خلال أطر ثلاثة: اولاً بلدي الذي هو مسقطي ومكان اقامتي وعنوان جنسيتي ومسرح أنشطتي ومشكلاتي واحلامي. ثانياً، مهنتي وعملي ككاتب مشتغل بالفلسفة، فذلك هو الاساس الذي أثبت به جدارتي واستحقاقي ومشروعيتي، والذي يشكل مصدر فاعليتي وحضوري في بيئتي وعالمي. ثالثاً، الاطار العربي، لأنني أنطق بالعربية وأكتب بها. وأنتمي الى المجموعة العربية، واللغة هي عامل حاسم في مسألة الهوية، لأنها بيت الكينونة وعنوان الهوية ومبنى الثقافة.
على هذا الاساس، يُعرَّف الاشخاص في زمننا، إذ يقال أديب فرنسي وفيلسوف ألماني وشاعر انكليزي وروائي ياباني وممثل اميركي.
هكذا، فأنا أكتفي بهذه الوجوه الثلاثة، مستبعداً الدين من مجال التعريف. مسوّغي الى ذلك أن الدين بات في مجتمعاتنا، وكما كان دوماً، عامل انقسام ونزاع بين الطوائف والمذاهب؛ بالاضافة الى أن النسبة الى الدين، هي اقرب الى التهويم الغيبي، أو هي تفتقر على الأقل الى الصدقية عند شخص لا يهتم بممارسة الطقوس والفرائض، في حين أن الاحالة على اللغة والبلد والموطن والدولة والعمل، إنما تتصل بالوجود المُعاش، بإحداثياته وروابطه ومفرداته، كما تحيل على عالم الحياة وأمكنة العيش ومساحات التبادل. بالطبع لا يعرى أحد من خيار فكري وجودي يمثل مصدر الصدقية والمشروعية، أكان على اساس ديني لاهوتي، ام على اساس دنيوي مدني، أم على أي أساس آخر. ولكن الانسان يُعرَّف اليوم من خلال البلد والجنسية والمهنة والكتلة، لا من خلال العقيدة والثقافة والفلسفة والمنظومة الايديولوجية. فلا يعرَّف الهندي بأنه بوذي او الكوبي بأنه ماركسي او الاسباني بأنه كاثوليكي، ولا سيما أن الانقسامات العقائدية والايديولوجية توظَّف لتأجيج الذاكرة وتغذية العداوات وصنع الفتن والحروب، على ما هي مفاعيل الجرثومة الإصطفائية للديانات التوحيدية الثلاث التي تقوم العلاقة بين طوائفها ومذاهبها على النفي والإقصاء أو على التطهير والاستئصال المتبادل، وكما يجري الآن في بعض البلدان العربية.
من المفارقات في هذا الخصوص أن الغربيين يغلِّبون إنتماءهم الى وطنهم وبلدانهم على الانتماءات الدينية والخصوصيات الثقافية، فيما يعاملوننا، بالعكس، اي على أساس الانتماء الديني والثقافي. ونحن نحمل المسؤولية عن ذلك، لأننا نصرّ على تقديم أنفسنا عبر هذه الأطر والمؤسسات والصفات. حتى الفلاسفة عندنا، عندما يتناولون القضايا ويحدّثوننا عن العقل والعقلانية، فإنما يخلعون الطابع الديني أو القومي على العقول والمعارف.
في كل حال، إن الابنية الثقافية والأنساق الرمزية والمنظومات العقائدية التي تصنع الهويات هي سيف ذو حدين: قد تستخدم من اجل المعرفة والدراية والتدبير او من اجل التضامن والتبادل، ولكنها تستخدم في الغالب، كآليات للحجب والطمس او التهويم والعماية او الخداع والزيف او الاحتكار والمصادرة.
هذا ما يفسر كيف أن الجماعات تقف ضد مصالحها وتتواطأ على نفسها، لأنها تقفز فوق الواقع وتت

المزيد


من هنا يبدأ التسلط

أكتوبر 9th, 2009 كتبها يـامهدي يـاعمر لا بد من الانتصار نشر في , مقالات متنوعة

 

من هنا يبدأ التسلط
 
 
بقلم: توفيق بوعشرين
مدير جريدة اخبار اليوم
 

لمدة أربعة أيام تحول وزارة الداخلية ومن يقف خلفهفي تدبير ملف (أخبار اليوم) إلى سلطة تنفيذية وتشريعية وقضائية… أعلن الأحكامالعرفية وعلق العمل بالقانون والدستور وحل الحكومة وألغى وزارة العدل. وكل هذا وسطصمت مطبق للوزير الأول عباس الفاسي الذي يقف متفرجا على ذبح القانون وحريةالصحافة


هل يمكن لاحد أن يتصور في مغرب القرن 21 وفي مغرب شعارات (الإنصافوالمصالحة) و(الانتقال الديمقراطي) أن يقدم وزبر الداخلية على سحب عددين من الجريدةدون وجه حق. وعلى إغلاق مقر( اخبار اليوم) وضرب حصار بوليسي حول مكاتبها بدون انيقدم قرارا مكتوبا إلى ادارة هذه الجريدة يمنحها حق الطعن فيه امام المحكمةالادارية … وحتى تكنمل فصول (المسرحية) اصدرت بلاغا (عسكريا) يديننا قبل صدورالاحكام ويخلط بشكل عجيب ما بين العلم الوطني الموجود في كاريكاتور (اخبار اليوم) ونجمة داوود والعداء للسامية والاساءة الى الامير !

إننا نحاكم اليوم أيهاالقراء، على النوايا. وليس على الافعال، الرسم الكاريكاتوري موضوع هذه المحنة لمنقصد من وراءه اي اساءة لعلم البلاد، فليس مشكلنا مع العلم بل مع أناس يختبئون وراءالعلم للدفاع عن مواقهم وامتيازاتهم وسلطهم. لم نفكر للحظة ان نسيء الى مولاياسماعيل كمواطن وكانسان قبل ان يكون اميرا. لم نعمد ابدا على تحقير اي دين او معتقدوليس من ثقافتنا ليكون في سلوكنا شيء من هذا

ان الرسم الذي نشر في عددالجريدة محل المتابعة… رسم برئ من كل الاسقاطات التي حاولت الداخلية ان تلبسهااياه لتصل الي مرام اخرى لتشيطن رسما عاديا وذلك للتضييق على حرية الصحافة وعلىاعادة رسم رقعة جديدة لحرية الاقلام الصحفية .هذا هو عمق المشكل. والا لماذا تلجأوزارة الداخلية الى اسلوب( الحملة) والى خرق القوانين التي ساهمت في وضعها، والىتحريك عناصر من الطائفة اليهودية لتاكل الثوم بفمها ولتنزع تعاطف الخارج معناهكذا يتوهم عقل الداخلية المحدود ثقافة وسياسة وقانونا… اننا نحتاج الى التذكيرباحترامنا للعلم لانه يمثل الامة وضميرها وليس الحكومات وسياساتها. كما اننا لا

المزيد


كتاب بقـايا‮ ‬هيكـل

أكتوبر 9th, 2009 كتبها يـامهدي يـاعمر لا بد من الانتصار نشر في , مقالات متنوعة

 

كتاب بقـاياهيكـل
مكاشفات نقدية في اشكاليات جديدة عند محمد حسنين هيكل على قناة الجزيرة الفضائية

د. سيّار الجميل
 
مقدمة ضرورية جدا !
بقايا حكايا قديمة
قبل ان اشرع بنشر حلقات كتابي الجديد الموسوم ( بقايا هيكل ) وهو يتضمن مشروع مكاشفات نقدية جديدة في إشكاليات محمد حسنين هيكل ومشكلاته التي وقع بها في أحاديثه على قناة الجزيرة القطرية منذ سنوات .. وقد انتظرت إلى حين أزف موعد نهايات تلك الأحاديث ، ولا ادري هل استأذن الرجل بإنهاء حكاياته ، ام انه أراد الراحة قليلا . لا ادري ! المهم ، هنا وجب عليّ الشروع لكي أنشر ما يستوجب قوله للناس الذين لهم كل الرغبة بمتابعة كل الآراء المخالفة لحكايات الرجل ونقداتي لها ، وتشريحي طبيعتها ، وبنفس المنهج التحليلي والتفكيكي الذي اتبعته في كتابي الأول عنه والذي صدر قبل قرابة عشر سنوات بعنوان ( تفكيك هيكل 670 صفحة  ) . لقد كنت قد وعدت القراء الكرام منذ قرابة سنتين في حوار اجري معي في عمّان بالأردن بأنني سأكتب نقدا على كل أو بعض ما قاله الرجل وفي كل الموضوعات التي طرقها ، وسأوضح مواطن القوة والضعف في حكاياته التي لا ادري كم استقطبت من اهتمام العرب ، وخصوصا المثقفين والمهتمين منهم والمؤرخين والساسة لا المعجبين بهيكل فقط من ذوي العواطف الساخنة الذين جعلوا منه نبيا له وحيه ، أو وليا له قداسته ، وهم يحومون حوله سدنة ويتعبدون في محرابه على شاشة قناة الجزيرة ! في حين لم يلتفت الكثير من الناس إلى حكايات هيكل إذ يعتبرونها من قبيل الهذيان ! علما بأن أي نقد او مخالفة وتصويب له مشروعيته ولصاحبه الناقد احقية في النقد ، ولهيكل نفسه احقيته في الرد . وعليه ، علام يصاب البعض بالهستيريا عندما يسمع بأن احدا انتقد هيكل .. ان النقد في طبيعته يزيد من قيمة العمل وقيمة صاحبه ان ادرك التفكير السياسي العربي ذلك ، وآمنوا بالديمقراطية والحرية في ابداء الرأي والشفافية في الاداء .. حتى وان تطّلب الامر تصويب معلومات خاطئة او تفكيكها ان وجدت مزوّرة او مختلقة !
 
شهادة براءة
هنا ، أعلن للناس جميعا واشهد الله وإياهم على ما أقول بأن عملي اليوم بسلسلته الطويلة من الجولات والحلقات .. هو مثل عملي الأول ( تفكيك هيكل ) ، فهو مّني والّي ، وهو غير محتضن البتة من أي دولة عربية أو أجنبية ، أو من أي حكومة أو حزب أو جمعية أو مؤسسة أو أفراد .. اشهد الله والناس بأن الكتابين اللذين قمت بتأليفهما عن هيكل لا علاقة لهما بأي دائرة رسمية حكومية أو أمنية أو مخابراتية .. اشهد الله والناس أقولها قبل أن تلوكني الألسنة على الأفواه ، لتتهمني بشتى الاتهامات ، ذلك أنني المسؤول الأول والأخير عن الكتابين ، علما بأن ثمة طلبات وصلتني مؤخرا لاحتضان العمل ، ولكنني رفضت رفضا قاطعا .. وعليه ، فليعلم الأستاذ هيكل والعالم كله بأنني وحدي أمامه ، وقد عدّني ندا له ، وكنت ولم أزل من اشد خصومه . وعليه ، ولما قلت شهادتي هذه ، فأنني أتحدى كائنا من يكون في أن يتهمني بتهم مجانية رخيصة ، وأطالبه أن يثبت التهمة وسوف اقاضيه ان حاول التجنّي .. مؤكدا للعالم بأن ليس لي أية علاقة بأي نظام حاكم أو أي مؤسسة أو جهاز .. إنني فخور كوني لم أكن بضاعة سياسية او تلفزيونية  لأي طرف من الأطراف .. وأتمنى أن أبقى نظيفا ما حييت .
 
ناشر الكتاب صحفيا
ليعلم القارئ الكريم ، إن هذا الكتاب الجديد ( بقايا هيكل ) لم أرسله للناشر كاملا ، بل إنني اعتمدت إرسال حلقات كل شهر على حدة ..

المزيد


هل سيسلك العراق طريقا جديدا ؟

أكتوبر 9th, 2009 كتبها يـامهدي يـاعمر لا بد من الانتصار نشر في , مقالات متنوعة

 

هل سيسلك العراق طريقا جديدا ؟
 
 
أ.د. سيّار الجميل
 
العراقي بين متفاءل ومتشائم
ثمة من يتفاءل بما يحدث من متغيرات في العراق اليوم ، ويصل تفاؤله إلى حدود السذاجة ، وثمة من يتشاءم من أوضاع العراق وما يفعله به السياسيون أو بالأحرى النخبة السياسية التي تشتغل ضمن ما أسموه بـ " العملية السياسية " ، ويصل تشاؤمه إلى حد الجنون ! صحيح ، ربما تكون سنة 2009 علامة فارقة في تغيير العراق ، ولكن ليس بالصورة التي يمكن توقعها عند كل من الاثنين ! فما دام هناك نخبة سياسية محددة تتوزع الأدوار ، فان عملية التغيير ليست سهلة على وجه الإطلاق ، إلا إن حدث حادث من نوع ما وقلب الموازين رأسا على عقب .. إن قراءتي لواقع العراق السياسي الذي تشكّله منافسات شديدة القوة بين مختلف القوى المعروفة من اجل السلطة .. ربما هي طبيعية اليوم ، ولكنها لا أخلاقية أبدا ، بحيث نشهد العراق قبل الانتخابات العامة وكأنه أصبح سوق هرج للمساومات بين القوى التي تسعى للبقاء في الحكم بأي وسيلة كانت . صحيح أن هناك من المتفائلين بالعراق لأربع سنوات قادمة ، ولكن هناك من المتشائمين الذين لم يعد يطيقوا ذكر العراق ومستقبله . وان النتائج معروفة مقدّما نتيجة قراءة ما يجري على الخارطة السياسية .
 
السلطة والشعب بين الذروة والوادي
كثيرا ما أشبه كل العراقيين منذ زمن طويل أنهم في جوف واد عميق جدا ، وان حكامهم يعيشون في قفص عالي على القمة ، لكنه قفص مغلق ! إن من حق أي مواطن عراقي أن يعمل من اجل بلاده ليقدم خدماته إليها .. ولكن أن تبقى العملية منحصرة داخل قفص لا يستطيع أي احد الاقتراب منه ، كونه عش دبابير هائجة او انها مجموعة خلايا يأكل بعضها بعضا .. ومن الأعراف التي يألفها كل العالم أن من يفشل في سياسته ، لابد أن يخجل  ويشعر بأخطائه ويعترف بها لينعزل ، ويفسح المجال أمام غيره ليلعب دوره ! ومع كل هذا وذاك يقبل الأمر ما دام الشعب هو الذي سيحدد مصير من يريده ممثلا في مجلس النواب ، ولكن أن ينتقل هذا من قائمة ذاك لينتمي إلى تحالف جديد ، وان الاول له فضل عليه بإدخاله معه مجلس النواب ، علما بأن الانتماء ليس لعبة سياسية ، بل قضية مبدئية .. فلا يمكن لأي عاقل أن يفهم كيف يلتقي الشيوعي مع الإسلامي ؟ ولا القومي مع الطائفي ؟ ولا العلماني مع الدعوي ؟ ولا الديمقراطي مع المجلسي ؟ ولا .. ولا   ان مثل هذه " الحالة " ليس لها إلا تفسير واحد هو السعي المحموم للسلطة والمناصب والمصالح الخاصة بأي ثمن كان !
 
هل نحن امام مبادئ ام شعارات ؟
إن مجلس النواب هو الذي يمثل كل القوى السياسية التي تطرح نفسها اليوم على ( الشعب ) ، وان كانت هناك قوى سياسية أخرى ، فسوف تنسحق بين الأرجل .. هؤلاء الذين مثلّوا الشعب العراقي أسوأ تمثيل ( باستثناء ثلة بسيطة من الشرفاء ) عرفناهم من تصرفاتهم وتوجهاتهم وارتباطاتهم .. إنهم يمثّلون أحزابهم وقواهم ولا يمثلون الشعب العراقي أبدا .. إنهم لم ينجزوا أبدا قانونا للانتخابات كي تبقى القوى الحاكمة مستحوذة على كل العراق .. إنهم لم يعّدلوا دستور البلاد ، لأنهم يتبادلون المصالح في ما بينهم على حساب مستقبل البلاد ومصيرها .. إنهم لا يعنيهم أي قانون للأحزاب ، كونهم رضوا واقتنعوا بأن حكم العراق أصبح مسجلا لهم إلى الأبد ! إنهم ما زالوا يتحدثون باسم (المكونات) التي بعثرت كل العراق وهتكت وحدة المجتمع العراقي ، ولكن باستطاعتهم أن يغيروا شعاراتهم ليصبح وبسهولة بالغة ( الإسلامي الأعلى ) إل

المزيد


هل حقا اختفت الطبقة الوسطى ؟

سبتمبر 24th, 2009 كتبها يـامهدي يـاعمر لا بد من الانتصار نشر في , مقالات متنوعة

 

هل حقا اختفت الطبقة الوسطى ؟
 
ميشيل كيلو
 
يكرر كثير من المفكرين والاختصاصيين العرب ، من ذوي التاريخ الماركسي أو القومي ،أطروحة ترى أن الطبقة الوسطى العربية اختفت أوهي في طريقها إلى الاختفاء ، نتيجةتحولات اجتماعية وسياسية وثقافية عرفتها معظم البلدان العربية خلال نصف القرنالمنصرم ، بل إن عالم اقتصاد مرموق كالأستاذ رمزي ذكي أصدر كتابا حول هذا الموضوعوضع له عنوانا صارخا هو : وداعا للطبقة الوسطى .
ومع أن معظم من يتحدثون عناختفاء الطبقة الوسطى ، أو حتى عن تبدل أو تقهقر دورها هم من المنتسبين النشطينإليها ، فإنهم يفسرون بما حدث لها تقهقر وتراجع العرب في الحقبة القريبة الماضية ،ويتجاهلون أن تشخيصهم يقفز عن حقيقة جوهرية هي أن اختفاء الطبقة الوسطى من شأنه أنيفضي إلى اختفاء المجتمع ذاته ، لما لها من وزن عددي فيه ، ولأنها الطبقة الأكثرعلما ومعرفة وعملا وحراكا بين طبقاته ، أقله في بلداننا ومجتمعاتنا ، التي لم تعرفثورة صناعية ، ولم تنقسم إلى برجوازية فوق وعمال تحت ، وإنما اكتفت ببلورة بروزصغير ثري في جانب منها ، وكم بشري فقير هائل العدد في الجانب الآخر ، بينهما ‘طبقةوسطى’ تتألف من مراتب وفئات متنوعة ، تضم عددا كبيرا من فقراء هذا الكم البشريالهائل ، منه على سبيل المثال لا الحصر الفلاحون الفقراء والمتوسطون وشرائح مدينيةكثيرة، فيها كل من لا يستمد دخله من مصادر تتصل برأس المال أو بالعمل المأجور فيالصناعة ، فهي إذن النسبة الأكبر من الشعب ، حتى أن بعض الدارسين والخبراء يعتقدونأنها تشكل حوالي70′ / 80′ من المجتمع السوري، إن نحن أخذناه كمثال .
لم تختفالطبقة الوسطى ، وليس بوسعنا أن نقول لها وداعا ، وإن كانت قد عرفت تحولات مهمةخلال الحقبة التالية للاستقلال وتكون الدول ‘ الوطنية ‘ أفضل وصفها بالمحلية - ، فيأعقاب الحرب العالمية الثانية . وإذن ، فإن من الأجدى البحث في هذه التحولات ، عوضالبكاء على زوال طبقة يعادل اختفاؤها اختفاء المجتمع ، وهو أمر لم يحدث بعد ، مع أنالمجتمع العربي تعرض بدوره ، خلال الفترة ذاتها ، لتطورات بدلت طابعه تبديلا شديدا، من الضروري أن تكون محل دراسة وتدقيق ، وإلا استحال خروجنا مما نحن فيه من احتجاز، وشق طريقنا إلى خارج النفق ، الذي نتخبط فيه .
في نصف القرن الماضي ، شهدتالطبقة الوسطى تبدلات مهمة غيرت موقعها من الدولة والمجتمع : سياسيا واقتصادياوثقافيا

سياسيا : ما أن وصل العسكر إلى الحكم في بعض الدول العربية ، بعدهزيمة فلسطين الأولى ، حتى قرروا إخراج الطبقة الوسطى من السياسة ، لاعتقادهم أنذلك سيكفل استقرار واستمرار نظامهم ، الذي تهدده أنشطة هذه الطبقة دون غيرها ، مادامت البرجوازية والطبقة العاملة لا تملكان الوزن والحضور السياسي اللازمين لتهديده، وتفتقران إلى برنامج يمكن أن يستقطب فئات وشرائح كبيرة من المجتمع ، يستطيعانبمعونتها قلب الأوضاع القائمة أو ممارسة ضغط فعال عليها . بما أن الطبقة الوسطىتمثلت ، في حقبة ما قبل العسكر ، في أحزاب سياسية متنوعة البرامج والأهداف ، فإنهؤلاء عملوا على خطوط ثلاثة متداخلة : احتواؤها وربطها بهم من جهة ، أو ملاحقتهاوقمعها من جهة ثانية ، وأخيرا إبقاء جمهورها العريض ، غير المنخرط في الحياةالسياسية ، بمنأى عن الشأن العام ، كي لا يبدل انخراطه فيه معادلات السلطة والدولة، ويشكل خطرا جديا بالنسبة إلى الأمر القائم . هذه الخطوط الثلاثة تقاطعت عند مسألةجوهر

المزيد


العروبة والهوية العربية في القرن الواحد والعشرين

سبتمبر 24th, 2009 كتبها يـامهدي يـاعمر لا بد من الانتصار نشر في , مقالات متنوعة

 

العروبة والهوية العربية في القرن الواحد والعشرين
 
برهان غليون

ghalioun@free.fr
 
1- بين العرب والعروبة
تشكل العروبة موضوع نقاش متجدد في عالم اليوم. وإذا كان من الصعب لأحد أن يشكك في صينية الصيني أو فرنسية الفرنسي أو أمريكية الامريكي، بالرغم من أن الصين تضم عددا لا يحصى من القوميات الصغيرة، وأن فرنسا تشكلت من مجموعات كبيرة من القوميات التي لم تنصهر بعد تماما في الكتلة الغالية، وأن أمريكا بالرغم من سيطرة المزيج الأوروبي الأبيض عليها، تؤلف مزيجا من القوميات التي هجرت إليها، بل هي امة المهاجرين بامتياز، اوروبيين كانوا في أصلهم أم غير أوروبيين. لكن الامر ليس كذلك مع العروبة. ولا يقتصر التشكيك في معناها، بل في وجودها، على الآخرين، والأوروبيين أو الغربيين بشكل عام، وإنما يتعدى ذلك غالبا إلى عدد كبير من العرب أنفسهم. فإذا كان الأولون يعترضون على وجود شعب عربي يقطن أقطارا متعددة لكن توحده مصالح ومشاعر وتطلعات واحدة، ويركزون بالعكس على الأصول غير العربية للشعوب القاطنة في أقطار العالم العربي، فيؤكدون على وجود شعوب مختلفة أخفاها الدين الواحد واللغة الواحدة التي ارتبطت به، لكنها في طريقها لأن تستعيد وعيها بذاتها وهويتها الخاصة، فإن قطاعات واسعة من العرب تنزع إلى نكران عروبتها او تجاهلها أو عدم إعطائها قيمة ومعنى، أحيانا لأسباب ايديولوجية، أو لأسباب سياسية. فلا شك أن الاسلامويين، أو قسما كبيرا منهم، ينفر من العروبة لأنه يخشى أن تكون بديلا للانتماء الديني الأوسع، ويرى بعضهم فيها عصبية جاهلية، ومثل ذلك كان يفعل الكثير من الشيوعيين والقوميين السوريين وأصحاب الايديولوجيات القطرية المتمحورة حول الدولة عموما في الماضي القريب، والحداثيين أو العلمانيين المتطرفين اليوم الذين ينظرون إلى العروبة على أنها ايديولوجية قومية، وهي بالإضافة إلى ذلك ايديولوجية عنصرية ورديفة للفكرة الاستبدادية. والنتيجة، لا تبدو العروبة أبدا أمرا بديهيا.
تستدعي الإجابة على هذه المسألة التمييز بين العروبة من حيث هي واقع ثقافي (اتني) موضوعي والعروبة من حيث هي عقيدة أو فكرة أو ايديولوجية تشير إلى ما يطمح إليه العرب ليحققوا أنفسهم، أو ما يريد الآخرون للعرب أن يكونوا، أي إلى هوية سياسية وحضارية تتجاوز النسب الثقافي والاتني. فنحن نولد ضمن جماعة اتنية وثقافية، وننسب إليها، سواء قبلنا ذلك ام لا، ولا نستطيع اختيارها. فهي واقعة موضوعية خارجة عن إرادتنا ومرتبطة بأصلنا وماضينا، تحدد وجودنا قبل أن نبدأ التفكير والاختيار والتأمل في مستقبل المجتمع والدولة والأمة. وعندما أقول هناك عرب وأفارقة وأوروبيين وهنود وصينيين فأنا أميز بين أجناس، نسبة للصفات الموروثة، والوقائع المادية وغير المادية التي تتجاوز الاختيارات الفردية. أما عندما أقول إن العروبة تعني صفات محددة، أخلاقية وسياسية، كالمروءة والشهامة والكرم وحب الحرية مثلا أو التضامن والتعاون في إطار دولة واحدة أو جماعة موحدة، أو العداء للامبريالية والوقوف ضد الاستبداد، فأنا أتجاوز تقرير الواقع إلى توظيفه في خدمة رؤية فكرية أو ايديلوجية لتحقيق شيء آخر، أو لصوغ هذا الواقع في هيئة عقائدية (دينية) او سياسية.
وإذا كان الواقع المادي لا يتغير كثيرا، او بالأحرى إذا كانت زمانية تغيره هي من النوع الطويل بحيث لا يشعر به الفرد نفسه، كما حصل للغة العربية التي نتحدثها اليوم بالمقارنة مع اللغة العربية الكلاسيكية، فإن المضمون الاخلاقي والايديولوجي والسياسي الذي نعطيه للعروبة يتغير بسرعة أكبر بكثير، لأنه ينتمي لزمنية التغير السريعة. وقد ارتبطت كلمة عروبي في العقود القليلة الماضية التي أعقبت الاستقلالات العربية باختيارات ثقافية وسياسية مرتبطة إلى حد كبير بالفلسفة القومية التي انتشرت في القرن التاسع عشر في أوروبة والعالم. لكن هذه العروبة التي ينبغي أن نطلق عليها العروبية، نسبة لكونها ايديولوجية تنطلق من العروبة كواقعة موضوعية لتبني مشروعا عربيا ايديولوجيا أو سياسيا يتطابق مع معايير العصر السياسية في بناء الدول الامم أو الدول القومية، أقول لكن هذه العروبة ليست لاصقة بالجماعة العربية، وإنما هي إضافة عليها. فهي تشير إلى محتوى معياري بالدرجة الأولى. والسياسة العروبية تهدف إلى تجسيد هذا المحتوى، من أجل الوصول إلى الأهداف التي تتطلبها العروبة من منظور الدولة القومية.
فالعروبة الاتنية واقع ملموس، لكن معطى خام، غير ناطق، لا دلالة كبيرة له سوى وصف بسيط للعرب لتمييزهم عن غيرهم من الشعوب. ومن هذه الناحية هي عبارة عن إرث، ثقافي وربما نسبيا جسماني، أي تأكيد الانتماء لأصل، واستمرار للماضي.
في المقابل، العروبة كاختيار ايديولوجي، هي توجه نحو المستقبل، مشروع للمستقبل، اقتراح للعمل وإعادة تشكيل الذات. مشروع لبناء العروبة الوصفية من أفق آخر وفي شكل آخر. وهي من هذه الناحية خروج من الواقع إلى الرمز، ومن المجسم إلى المجرد، ومن المادة إلى الروح. بث الروح في الجسد.
ولذلك كانت العروبة منذ نشأتها على أنقاض الاجتماع العثماني المللي وايديولوجيته الدينية، مشروع تغيير. وربما كانت، كما ظهرت في بداياتها، موضوع ثورة على الماضي، على العروبة الإتنية نفسها بوصفها التصاق بالدم والعرق والقرابة المادية والتقاليد البدوية أو القرسطوية الجامدة والمستهلكة .
باختصار، لا يعني تكلم أناس لغة واحدة، وامتلاكهم تقاليد واحدة، بل وإنتسابهم الفعلي أو الوهمي إلى جد واحد، تلقائيا، أنهم يشكلون جماعة سياسية واحدة، ومن باب أولى أمة واحدة، أو أنهم يتصرفون كجماعة أو أمة. فالعروبة كهوية للعرب لم تولد تلقائيا من اتصافهم بسمات مادية وثقافية مشتركة، وإنما هي عملية صنعية مركبة. ولا تحصل إلا بوجود فكرة وراءها تعطي للصفات المشتركة مضمونا ومعنى. فقد كان العرب يتحدثون لغة واحدة ولديهم إرث بيولوجي وثقافي مشترك في ما يسمى عصر الجاهلية، لكنهم لم يكونوا شعبا أو امة، ولكن كانت هويتهم الحقيقية، أي أسلوبهم في التعريف بأنفسهم وإدراك ذاتهم، ما أسميه الوعي بالذات، قبلية. وكان النزاع بين القبائل العربية يفوق النزاع بين العرب والشعوب الأخرى، لدرجة اعتبر المؤرخون العرب أن اجتماع كلمة العرب في معركة ذي قار ضد الفرس كان إيذانا بولادة هوية عربية مشتركة، أو شعبا عربيا. وبعد ظهور الاسلام اختفت العروبة أيضا كاستراتيجية هوية وتسمية ذاتيه وحل محلها الإسلام، وتقلص الشعور بالعروبة إلى تكوين إتني لا قيمة له ولا أهمية بالمقارنة مع الانتماء للجماعة الدينية التي تتجاوز العنصر الاتني والقبلي معا وتقدم وحدها مرجعا أخلاقيا وسياسيا لأنها هي التي تنطوي على معاني فكرية.
ثم إن الهوية ليست صنعية فحسب ولكنها تاريخية أيضا، أي ليست ثابتة ولا باقية على طول الزمن. وهذا ما يشير إليه تغير محتوى العروبة ودلالاتها الثقافية والسياسية على مر العصور. فقد ورثت العروبة القومية في العصر الحديث العروبة الدينية المنصهرة بالاسلام والمتماهية مع حضارته وثقافته في الحقبة الوسيطة، التي كانت قد حلت في مرحلة سابقة محل العروبة القبلية. واليوم تحن ننزع إلى تخليص العروبة من لباسها القومي الحديث، او القومجي، لنعيد بناءها على أسس أكثر انفتاحا وإنسانية أو كونية.
2-
تحولات العروبة:
وبشكل عام، شكل مفهوم العروبة، أي توظيف الخصائص الإتنية الموضوعية في مشروع ثقافي أو سياسي يتطلع إلى المستقبل، بما في ذلك ربط العروبة بالانتماء إلى حضارة وثقافة محددة، والعمل على إحياء تراثها والاستثمار فيها، القاطرة التي سعى المثقفون والمفكرون والساسة، أو كثير منهم، إلى استغلالها لنقل حياة العرب من نموذج المجتمعات التقليدية السلطانية والقرسطوية إلى النموذج الحديث، وإعادة تشكيل حياتهم بحسب القيم والمعايير الحديثة، الأخلاقية والاجتماعية والسياسية. ولم تتقمص العروبة جسدا واحدا كما يبدو لنا اليوم، هو الفكرة القومية العربية التي سادت في الخمسينات والستينات، ولكنها ظهرت في أشكال مختلفة، وكانت ميدانا لاستثمارات متنوعة أيضا، وغيرت من جلدها مرات ومرات. وبالرغم من أنها تظهر اليوم بمثابة حائط مبكى ومشجب يعلق عليه جميع العرب، بصرف النظر عن أوضاعهم ومواقعهم، إخفاقاتهم ومثالبهم ونقائصهم الفكرية والأخلاقية والسياسية، إلا أن الأمر لم يكن كذلك في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ولا فيالنصف الأول من القرن العشرين.
فقد ولدت العروبة الأولى في القرن التاسع عشر في ثياب نزعة إنسانية كونية قوية. وارتبط نشوؤها بمفهوم ايجابي لا نزال نردده إلى اليوم هو عصر النهضة، تيمنا بعصر النهضة او الانبعاث الأوروبي في القرن السادس عشر، وما رافقه من ازدهار في الآداب والفنون والعلوم وجميع أشكال التغير الايجابي والتقدم والابداع. فقد مثلت في ذلك العهد بداية اكتشاف العرب أو مثقفيهم للعالم الحديث الصاعد من حولهم، وما يعنيه من تطور للعلوم والتقنيات والنزعات العقلية والأخلاقية. وكان جوهر العروبة هذه هو الانفصال بالعرب أو الابتعاد بهم عن عصر الثقافة القرسطوية وتقاليدها وتراثها، وإدراجهم في عصر الثقافة الحديثة، والعمل على استيعاب مفاهيمها وقيمها وتطلعاتها العقلية والإنسانوية. وفي هذا العهد سيرتبط مفهوم العروبة الناشيء بالمفاهيم الجديدة الصاعدة مثل الحرية والوطنية والدستور والمواطنة، ويتطابق مع عملية البحث عن تأصيل الثقافة الزمنية وتنمية العلوم العصرية المتميزة عن العلوم الدينية. لم تكن العروبة في هذه الفترة بنت الحداثة فحسب، وإنما كانت أداتها وجوهر مفهومها في المجتمعات العربية التي كانت بالكاد قد بدات تعي وجودها المتميز على هامش تفكك الدولة الامبرطورية العثمانية وانحلالها. وقد استثمرت العروبة هنا لتحقيق النهضة بالمعنى الحديث للكلمة، وتوجيه العرب نحو الفكرة الكونية والإنسانية بما تشتمل عليه من قيم ومعايير اجتماعية. فكانت أداة لتجديد التراث وإحياء القيم الزمنية المدفونة والعودة إلى العلوم العقلية وتجديد التراث العربي القديم نفسه عن طريق الاجتهاد العقلي والإصلاح الديني.
لكن لن يبقى هذا المفهوم الكوني للعروبة جامدا وثابتا لفترة طويلة. وسوف يخضع لتحولات عميقة على هامش معركة الدستور وإصلاح الامبرطورية السياسي، وبشكل خاص بعد إخفاق مشروع تحديث الامبرطورية وتولي نخبة قومية طورانية السلطة في اسطنبول. فبعد أن بقي مفهوم العروبة مرتبطا ببناء ثقافة عربية حديثة مستقلة عن الثقافة الدينية التقليدية ومرتبطة بالعصر، سوف تدفع الصراعات السياسية لنهاية عصر الامبرطورية وفشل الثورة الدستورية العثمانية واغتيالها على يد السلطان عبد الحميد، والقمع الذي أعقب ذلك في المناطق العربية، إلى انزياح العروبة الجديدة بشكل متزايد نحو الحقل السياسي. وبعد حقبة تحكم فيها المثقفون ورجال الدين المصلحون بمفهوم العروبة وجيروه لخدمة اهدافهم الإنسانوية والتحديثية، دخل المفهوم على أيدى رجال السياسة في سجل تاريخي جديد.
وإلى جانب ما أصبح يعرف في الأدبيات التاريخية بالجمعيات العربية التي تبنت مفهوم العروبة، وربما كانت جمعية العهد هي النموذج الأوضح لها، سوف تكتسب فكرة استقلال العرب عن الأتراك وتكوين دولة عربية مستقلة ومتميزة مواقع كبيرة وسريعة في اوساط الرأي العام والطبقة الوسطى . وهذا ما سوف تكرسه فكرة الثورة العربية الكبرى ومشروعها، في العشرينات من القرن العشرين، وذلك بصرف النظر عن مصير هذه الثورة ومستقبل مشروعها. فنحن هنا امام مفهوم للعروبة يتطابق بشكل واضح مع الفكرة الوطنية الاستقلالية والدستورية الليبرالية التي شغلت العرب، ساسة ومثقفين، وحركت نشاطهم، في النصف الأول من القرن العشرين.
ولا أعتقد أن لعروبة الثورة العربية الكبرى، التي قادها الشريف حسين، علاقة كبيرة بفكرة العروبة كما سيعاد بناؤها بتردد وبطء في البداية منذ الأربعينات، لكن بقوة واضحة وتصميم في الخمسينات والستينات، أعني بالحركة القومية العربية الشعبوية، ثم الثورية والانقلابية التي ستملآ عقل العرب وقلبهم بعد الاستقلال. وربما لم تكن هذه الحركة إلا رد فعل مزدوج على إخفاقين شهدتهما العروبة منذ نشوئها، مشروع الاستقلال عن الدولة العثمانية وتكوين دولة مستقلة او كيانا عربيا متميزا ومستقلا، ومشروع بناء دولة وطنية قطرية فاعلة بعد انهيار حلم المملكة العربية الواحدة أو اغتياله من قبل البريطانيين والفرنسيين بتطبيق اتفاق سايكس بيكو سيء السمعة .
كان منطلق العروبة الجديدة مفاهيم مختلفة تماما عن المفاهيم الكونية للثقافة الحديثة في القرن التاسع عشر، وعن مفاهيم الثورة الاستقلالية والدستورية التي سيطرت على الحركة العربية داخل الأقطار المكافحة من اجل الاستقلال عن الاستعمار الأوروبي. ولهذا لم تبق، كما كانت في الحقبة الاستعمارية، أساسا أو مبدأ لرابطة سياسية، تكرس حلم الدولة العربية في الاستقلال وتكوين دول سيدة ومستقلة، يمكن أن تتوحد في المستقبل لتعوض عن انهيار حلم المملكة العربية، وإنما تحولت إلى حركة شعبوية تجمع بين العداء للاستعمار الأوروبي والكفاح ضد النخب والطبقات الاجتماعية الارستقراطية التي ستظهر وكانها الحليفة الرئيسية للغرب الاستعماري. ولذلك ستنسلخ العروبة من جديد عن جلد الوطنية الدستورية الليبرالية الذي لبسته في حقب

المزيد


حرية العقيدة و التخبط المفاهيمي : في الحاجة إلى العلمانية

سبتمبر 24th, 2009 كتبها يـامهدي يـاعمر لا بد من الانتصار نشر في , مقالات متنوعة

 

حرية العقيدة و التخبط المفاهيمي : في الحاجة إلى العلمانية
ملاحظات حقوقية
 
arabic_pen
———
بصدد مبادرة "حركة مالي" للدفاع عن الحريات الفردية
تقديم :إن الدول التي لم تنخرط كلية و وفق مشروع مجتمعي في المرجعية الكونية و الشمولية لحقوق الإنسان تظل حتى و هي تردد في الكثير من خطاباتها على تبني هذه المرجعية حبيسة النظرة الانتقائية النفعية التوفيقية بين مقتطفات من المرجعية الحقوقية التي تفرضها طبيعة الالتزامات الدولية و تطلعات المجتمع المنظم و الناطق بحقوقه و الجمعيات الحقوقية من جهة. و الإرادة الرجعية للقوى الاجتماعية النافذة في الحفاظ على الأوضاع السياسية و المدنية و الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية كما هي بدون تغييرات جوهرية تذكر و في الحفاظ في نفس الوقت على الخطاب الحقوقي كخطاب إيديولوجي مائع بدون إعمال هدفه تبيان أن النظام الحالي بما أنه منخرط حتى النخاع في ليبرالية اقتصادية متوحشة من موقع الضعف إرضاء لصانعي توصيات البنك العالمي وصندوق النقد الدول و مختلف مراكز القرار الامبريالية فهو كذلك منخرط في "ليبرالية سياسية و فكرية"(اللبرلة) من خلال استعارة شعار "الدولة الديمقراطية الحداثية"  و العمل به لقطع الطريق على كل إمكانية للتغيير الديمقراطي الحقيقيو في نفس الوقت الذي يحافظ فيه على الطابع الثيوقراطي (الأصولية المخزنية) و الأوتوقراطي (الحكم الفردي المطلق) لنظام الحكم , هذه الازدواجية الملازمة للنظام القائم و التي تعنون بشعار متحايل و مكرور و تمويهي" الأصالة و المعاصرة " يشكل وعاء مائع لاستيعاب الطابع التاريخي الهجين للمرجعية السياسية و الثقافية للكتلة الطبقية السائدة و لطابع الانفصام الملازم لسلوكيات الكثير من الأحزاب و المثقفين والنخب و حتى الكثير من المواطنين الذين لا يتبنون مشروعا اجتماعيا يضعهم في قطيعة مع المرجعية الهجينة المذكورة أعلاه . و يمكن من تأبيد سيطرة كتلة طبقية معادية لحقوق الإنسان في شموليتها و كونيتها تتقن فن تمييع المرجعيات و الخلط الإيديولوجي و اللعب على الخطابات المتعددة و المتناقضة.
       يفسر هذا التقديم لماذا لم تذهب الدولة المغربية بعيدا في الانخراط في المرجعية الكونية لحقوق الإنسان سواء من جهة التنصيص دستوريا على سمو المواثيق الدولية لحقوق الإنسان على القوانين المحلية وملائمة هذه القوانين مع المرجعية الكونية . و من جهة أخرى المصادقة على الاتفاقيات و البروتوكولات الدولية ذات الصلة باحترام و حماية وإعمال الحقوق المدنية و السياسية و الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية بما فيها المصادقة على كافة اتفاقيات منظمة العمل الدولية و البروتوكولات الملحقة بالعهدين الدوليين. و إدراج التربية عليها بشكل استراتيجي بدل إخضاع المرجعية الكونية و الشمولية لحقوق الإنسان للمرجعية الأصولية و الظلامية في بناء المضامين و المحتويات الإعلامية و التعليمية و الدراسية . و إعطاء مكانة للتربية الدينية و إعادة إنتاج الكادر الديني بشكل لا تحضا به حتى العلوم الحقة و العلوم الإنسانية في بلد يعاني من معوقات التنمية الشاملة و العادلة.
إن الدولة و الثقافة السائدة استطاعت أن تضع يدها و تهيمن ليس على الحقول  التي هيمنت عليها تقليديا  بل حتى على الحقول التي لم تستطع الهيمنة عليها – رغم المحاولات- إلى حدود بداية التسعينات مع انبطاح و هرولة و خيانة القوى المحسوبة على ما يسمى باليسار التقليدي لكل برنامج ديمقراطي و انخراطها الكامل في المخزنة.
1-  الأحداث :
·       قرر مجموعة من الشباب و الشابات المنتسبين إلى حركة سموها " الحركة البديلة من أجل الحريات الفردية " و المعروفة ب حركة " مالي " تنفيذ "عملية إفطار جماعي علني" بضواحي مدينة المحمدية يوم الأحد 13 شتنبر 2009 / 25 رمضان 1430 . و قد بدأت هذه المبادرة من على صفحات الفايس بوك المعروفة و سطرت أولوياتها في الدفاع عن حرية التفكير و الضمير و الدين أي حرية تغيير الديانة و المعتقد كما أكدت أنها تهتم كذلك بالحريات السياسية في المغرب التي تعرف تراجعا كبيرا و أكدت على أنها ليست ضد الصيام… و كان لمبادرة هذه الحركة تداعيات و تعليقات مختلفة لدى الرأي العام.
·       كما تم اعتقال بعض أعضاء هذه الحركة و يبدو أنهم في حالة متابعة و فق الفصل 222 من القانون الجنائي و منهم الصحافي عزيز اليعقوبي و عبد الرحيم مقتفي و الصحافية الناطقة باسم الحركة زينب الغزوي و صلاح أبراح و نزار بنامت….
·       الفصل 222 من القانون الجنائي ينص على أن " كل من عرف باعتناقه الدين الإسلامي و جاهر بالإفطار في شهر رمضان في مكان عمومي دون إذن شرعي يعاقب بالحبس من شهر إلى ستة أشهر و غرامة من اثنتي عشر إلى مائة و عشرين درهما "
·       قامت الأجهزة المخزنية بتجنيد الأصولية الرسمية و الشبه الرسمية و الأحزاب الموالية و العديد من الأقلام الصحافية لمهاجمة هذه الحركة .
2-  التعليقات :
·       أول التعليقات جاءت من السلطات المحلية التي حضرت بعين المكان – حسب قصاصات الصحف- لحصار و منع "مبادرة الإفطار" هذه.
·       اعتبر المجلس العلمي الأعلى بالمحمدية و هو مؤسسة أصولية رسمية في بيان له أن هذه الخطوة "…عملا شنيعا يدخل في تحدي الله و رسوله و تترتب عنه في الشرع عقوبة صارمة…" و اعتبر اصطحاب المبادرة "جماعة من الفتانين" و أكد البيان على أن " المغرب لا يمكنه أن يقبل المجاهرة بالمعصية , لأنه يعتبر تلم المجاهرة تشجيعا على المعصية بل و تحريضا عليها…" كما اعتبر هذه المحاولة تدخل في إطار"محاولة إبطال فريضة الصيام" و اعتبر هذا العمل "يدخل ضمن مخططات المغرضين"
·       تيار المستقبل للشبيبة الاتحادية كان من أول المنددين)  من بدل الأحول !!!) بهذه الحركة و اعتبرها " حماقة مرتكبة من طرف أقلية سحيقة من الشباب" و أن الوقفة " تدخل ضمن أجندات أطراف أجنبية تتربص بمشروع المغرب الديمقراطي الحداثي الوطني "  و حذر الشباب من " هذه البذور العقيمة التي تهدد بالأساس ضرب المغرب في معتقداته و هويته".(هي نفس اللغة التي كانت تستعملها القوى الظلامية ضد الشبيبة الاتحادية حينما كانت تقدمية)
·       مصطفى الرميد القيادي بحزب العدالة و التنمية نفا إمكانية تغيير الفصل 222 من ق.ج ما لم يصبح الإفطار جهرا أمام العموم عاديا و لم يفسر كيف يمكن أن يتحول الإفطار جهرا إذا لم يحذف الفصل 222. و اعتبر "أن القاعدة القانونية تأخذ مادتها من المجتمع فما حرمه هذا الأخير و اعتبر القيام به مسا لشعوره وجب منه بالقانون و ما يجيزه المجتمع و لا يستنكره طبيعي أن تكون هناك الإباحة له"
" لا يمكن أن نقبل أشخاص مسلمين يفطرون رمضان جهارا , لذلك المشرع لا يمكن أن يغفل الاهتمام بمشاعر 99.99 % من المغاربة لإرضاء 0.01% فقط لأنهم يريدون الإفطار في نهار رمضان علانية " كما أكد أن لا مانع لديه في إفطارهم سرا . و تسائل "هل يمكن تجاوز أن الإسلام هو الدين الرسمي في المغرب" 
·       عبد الباري الزمزمي رئيس الجمعية المغربية للدراسات و البحوث في فقه النوازل قال " أن شعار المملكة هو الله الوطن الملك لذا يجب احترام الدين الإسلامي  و الحديث عن الحرية الفردية التي لا تقيم وزنا لمشاعر المسلمين سيدفع حتما لاحتماء البعض بهذا العذر لإبداء عدم الاحترام إزاء الوطن و كذا المؤسسة الملكية " (أين هي حدود السياسة و حدود الدين ?)و دعا إلى معاقبتهم وفقا للقوانين الجاري بها العمل لأنهم يستفزون مشاعر المسلمين.
·       مصطفى المعتصم المستشار الملكي يدعو الأحزاب للتحرك "للتصدي لمحاولات المس بعقيدة المغاربة" و اعتبر المحركون "هم نفس الجهات التي سبق و إن حركت قضايا سياسية كالوحدة الترابية و أحداث سيدي افني صفرو و غيرهما…" !!!و أن عمل هذه الجهات أصبح في السنوات الأخيرة يركز على قضايا تهم التنصير و التشيع و الشذوذ الجنسي و إحداث جمعية "كيف كيف" و ما شابه ذلك حيث أصبح أنصارها يحاولون فرضها داخل المجتمع .
·       إسماعيل العلوي أمين عام حزب التقدم و الاشتراكية وصف عمل الإفطار بأنه "عمل صبياني بشكل متميز و أنها لا تخدم قضية الحريات و لا تطور البلاد نحو الأحسن" و أن المحاولة تؤدي إلى" نشر الفتنة في وقت المغرب ليس في غنى عنها"
·       اعتبر بعض الصحفيين و بعض زعماء الأحزاب أن هذه الحركة مثلها مثل ظاهرة المثليين و والمتنصرين و الشيعة وأعداء الوحدة الترابية و أحداث أيفني و صفرو… و غيرها المفتعلة بفعل يد أجنبية مخابراتية استعمارية جديدة و خاصة الاسبانية لخلق فتنة أخلاقية و دينية و دستورية كما أن بعض أعضاء هذه الحركة يحملون الجنسية المزدوجة فرنسية مغربية و قد يكونوا تابعين للمخابرات الفرنسية !!!و هدفه استفزاز مشاعر المغاربة : و يدخل هذا المنطق ضمن نظرية المؤامرة وسياسة النعامة و ايديولوجية الإجماع الوطني و تمتين الجبهة الداخلية و الدفاع عن المقدسات المخزنية ;و هلم جرا : رشيد نيني مدير جريدة المساء/ حزب الحركة الشعبية / حزب الأصالة و المعاصرة / المجلس العلمي الأعلى بالمحمدية / مصطفى معتصم المستشار الملكي / عبد الإله بنكيران أمين عام العدالة و التنمية/ محمد الأبيض الأمين العام للاتحاد الدستوري…و غيرهم.
·       علي أنوزلا  مدير الجريدة الأولى المعروف بمواقفه الجدية و المساندة لحقوق الإنسان عنون ركن أول الكلام بحدود الحرية  و طالب بعدم تحدي القانون بل بالاكتفاء بالمطالبة بتغييره و اعتبر أن " لا علاقة بين الإفطار العلني و ممارسة الحرية الفردية للشخص" و تحدث عن أنه لا بد من التوازن بين الحقوق و الواجبات( لا أعرف ماذ

المزيد


الأمازيغية

سبتمبر 24th, 2009 كتبها يـامهدي يـاعمر لا بد من الانتصار نشر في , مقالات متنوعة

 

الأمازيغية
وإستراتيجية المذكرات المطلبية
 
رشيد الإدريسي
 
الإنصاف والمزايدة
لا أحد ينكر أن الملف الثقافي واللغوي عرف الكثير من الإجراءات الإيجابية من طرف العاهل المغربي محمد السادس منذ بداية العهد الجديد، وقد تجسدت هذه الإجراءات في ظهير أجدير الذي ركز على تعدد مكونات الثقافة المغربية والذي أنشئ بموجبه المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، إضافة إلى إدخال تعليم الأمازيغية إلى المنظومة التعليمية وتوسيع فترات بث البرامج الناطقة بالأمازيغية في وسائل الإعلام الوطنية، والمصادقة على إنشاء قناة أمازيغية سترى النور في الأيام القليلة المقبلة, هذا دون الحديث عن مبادرات أخرى ممثلة في دعم الإنتاج المسرحي والإبداع المكتوب بمختلف أشكاله. كل هذه المبادرات لا يملك المرء إلا أن يثمنها باعتبارها تولي الاهتمام اللازم لأحد مكونات ثقافتنا المغربية الأساسية.
لكن الملاحظ أنه على الضفة الأخرى مجسدة في بعض الجمعيات التي تتخذ الأمازيغية غطاء إيديولوجيا لها، نلاحظ عدم الاكتراث بكل ما تحقق والإصرار على رفع سقف المطالب لتحويلها أحيانا إلى نوع من المزايدات والعداء السافر والخفي للمكونات المغربية الأخرى. وقد اتخذت هذه المزايدات شكل مذكرات مطلبية يتم رفعها للملك بمناسبة وبغير مناسبة. وكثرة هذه المذكرات والوثيرة التي ترفع بها، قد يُفهَمُ منها الرغبة في إحراج الملك وتمرير المطلب دون إخضاعه للنقاش حتى لا يُفضح ما ينطوي عليه،  في الكثير من الحالات، من أفكار طائفية وعرقية، بينما المسار الأسلم هو طرحها للنقاش في الفضاء العمومي وتقليبها على مختلف وجوهها بهدف مراعاة مصلحة المغرب والمغاربة جميعا، بدل الحديث عن جزء من المغاربة في مواجهة جزء آخر والتمكين لثقافة الكراهية والحقدالتي ينطوي عليها خطاب الكثير من الجمعيات.
المذكرات المطلبية وقلب الحقائق
وإستراتيجية المذكرات المطلبية لا تقتصر فقط على الجمعيات وحدها، بل تطال المؤسسات الرسمية، وعلى رأسها المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية الذي رفع السنة الماضية توصية إلى الملك قصد جعل ما يسميه فاتح "السنة الأمازيغية" عيدا وطنيا، وذلك على الرغم من أن المغاربة لم يسبق لهم أن عرفوا هذا الاسم إلا مع الاستعمار الفرنسي، الذي رغبة منه في التجزئة، حَرَّف تسمية السنة الفلاحية وحولها إلى سنة "أمازيغية" ليؤكد من خلال ذلك أن الفتح الإسلامي وتقويمه الهجري، حدث ثانوي في التاريخ المغربي، ولينتهي بواسطة سياسته البربرية المتكاملة إلى صنع شعبين، شعب يحتفل بسنة وهمية تسمى السنة الأمازيغية، وآخر يحتفل بالسنة الهجرية، وذلك في إطار سياسته الهادفة إلى التقليص من حيز المشتركات الوطنية وتضخيم التمايزات بين المغاربة
وآخر مبادرة من هذا النوع هو ما تنوي القيام به إحدى الجمعيات التي اعتادت هذا الشكل من الفعل "النضالي"، والمتعلقة هذه المرة بمطالبة العاهل المغربي بدسترة الأمازيغية وترسيمها على قدم المساواة مع اللغة العربية، أو بتعبير أصح ترسيمها قبل اللغة العربية. والمبادرة تشرف عليها "الجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي" وهي تحمل اسم "مشروع مذكرة مطلبية من أجل ترسيم الأمازيغية في الدستور". وقد سبق لنا أن ناقشنا الموضوع في أكثر من مناسبة، وبينا أن ترسيم الأمازيغية يلزمه أن يكون بالجمع أي الأمازيغيات لأننا في المغرب أمام تعبيرات عدة تامازيغت تاريفيت تاشلحيت، وأن الدسترة يلزم أن تشير إلى أن هذه اللغات أو التعبيرات بوصفها لغات وطنية جهوية؛ وطنية بمعنى أنها مِلْك لجميع المغاربة ويلزم الاعتناء بها من طرف الجميع، وجهوية بمعنى أن بعضها يتم التواصل به في جهة من المغرب دون الجهات الأخرى، وبالتالي فإن دسترتها بمعنى الإشارة إليها في الدستور بهذه الصفة، أمر مقبول، على عكس عملية  الترسيم  التي هي أمر غير ممكن لاعتبارات عدة.
واستحالة هذا المطلب، ترجع إلى أنه ليست هناك لغة أمازيغية أصلا، بل نحن إزاء لغات عدة، فأي منها سنُرَسّم؟ قد يقال بأن المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية يتولى مهمة توحيد هذه اللغات، وهذه الحجة تلغي مطلب الترسيم من أساسه، لأننا في هذه الحالة سنقوم بترسيم لغة لا وجود لها على ألسنة المواطنين، لغة المختبر التي يشتغل عليها المعهد الملكي. وهي لغة كما تم الإعلان عن ذلك، تخضع لعملية تطهير من الألفاظ العربية وتعويضها بألفاظ طوارق النيجر وغيرهم. ثم إن الترسيم كما يطالب به هؤلاء الملك، يخفي نوعا من الحيف في حق مكونات المغرب اللغ

المزيد


التناقض الفكري والتناقض السببي

سبتمبر 24th, 2009 كتبها يـامهدي يـاعمر لا بد من الانتصار نشر في , مقالات متنوعة

 

التناقض الفكري والتناقض السببي
 

 
التناقض الفكري
مفهوم التناقض  كما طُرحه هيراقليطس، هو تعبير عن جوهر الأشياء , وهو الصيرورة والتغير، فالشيء وحدة متناقضات ناتجة عن الصيرورة والحركة . وكذلك في المنطق الجدلي يُعبّر التناقض عن المصدر الباطني للحركة ومبدأ التطور ، فهو يشير إلى أن الأشياء في حركتها وتفاعلاتها مع بعضها تفصح عن تناقضات ، عن حدود متعارضة يرتبط كل منهما بالأخر بحلقات توسطية مؤلفة وحدة الظاهرة أو الموضوع، وهذه العناصر هي في وضع تفاعل أوصراع ينفي بعضها بعضاً ، وهذا الصراع بين المتناقضات يمهد الطريق إلى الأمام وينكشف كمبدأ للتطور والحركة . فمنطق التناقض كما عبر عنه هيغل في منظومته الجدلية، والتي يرى من خلالها أن فكرة التناقض هي «الفكرة ـ الأم»، فهو أساس كل حركة وكل صيرورة وتطور ، فقط بقدر ما يحوي شيء من الأشياء تناقضاً، يكون هذا الشيء قادراً على الحركة وعلى الفاعلية . في نظره يطرح هذا المنطق الأشياء على أنها ليست مستقلة عما عداها وهي مرتبطة بالكل وتنتسب إليه، وتبعاً لذلك فإن الشيء ليس «ذاته» وإنما «مغاير لذاته»، مادام يحوي في داخله مبدأ سلبه أو نقضه، وهذا هو معنى  الحركة التلقائية الداخلية بنظر هيغل، فالمتناهي مثلاً هو ذاته متناقض من حيث يستبعد اللامتناهي ويفترضه في الوقت ذاته كحقيقة له (للمتناهي)، فكل علاقة واقعية برأي هيغل إنما هي علاقة تناقض . وهذا المفهوم للتناقض يقصد به الصيرورة والتطور , أوالتفاعل والتأثير المتبادل , أو الجدل كما يسمونه .  
ولكن أرسطو قصد بالتناقض عدم الاتساق في التفكير، وأُسس القانون المنطقي الشكليللتناقضات بمعنى: أن الشيء لايمكن أن يكون موجوداً أو غير موجودفيالوقت ذاته، وهذا تابع لمبدأ ( الهوية ) إذ ليس بالإمكانإعطاء تعريفين متعاكسين أي متناقضين في وقتواحد لشيء واحد.
وأيضاً يجب أن لا تتناقض النتائج مع المقدمات , فأذا كانت المقدمة :
 كل أنسان فان  هي صحيحة
وسقراط أنسان
فيجب أن تكون النتيجة هي سقراط فان وسيموت , وإذا لم يمت سقراط , أي لم تتفق النتيجة مع المقدمة , فهنا يحدث تناقض , فأما المقدمة غيرصحيحة أو النتيجة غير صحيحة .
فالتناقض الفكري ينتج عندما تتناقض النتائج مع المقدمات المعتمدة , أي تنفيها أولا تتطفق معها , وهذا يؤدي إلى حكم خاطئ على المقدمات , فالتناقض هو الذي يؤدي إلى الخطأ بالحكم على نتيجة مقدمات موضوعة . وهذا ما نعتمده كمفهوم للتناقض .
في المنطق والرياضيات يمكننا تحاشي التناقض الفكري بدرجة تامة إذا لم يحدث أخطاء في المعالجات الفكرية .
والتناقض الفكري لدينا تشكل أو تكون بالاعتماد على التناقض السببي , والتناقض الفكري يتضمن التناقض السببي . فالتفكير المنطقي يقصد به عدم تنافض الأفكار مع بعضها فكرياً , ولكن المهم عدم التناقض السببي , أي عدم تناقضها مع بعضها تجريبياً واقعياً , وذلك من أجل تحقيق أهدافنا ومشاريعنا , فتحاشي التناقض السببي الواقعي هو المهم .
السببية
إن هدف ودور المعرفة هو استباق نتائج الأحداث بهدف التحكم بها أوتعديلها بما يناسبنا . فالتوقع أوالتنبؤ الذي هو أساس المعارف وهو الذي ينتج السببية .
فالسببية هي : تحديد وتعيين واختصار أو اختزال للعوامل والمؤثرات الكثيرة , أي الأسباب  المتعددة الكثيرة بسبب واحد أساسي وأهمال باقي الأسباب , من أجل القيام بتحديد وتعيين الاستجابات المناسبة . فالأسباب تختزل بسبب واحد ( أو عدد قليل من الأسباب ) يتم التركيز عليه والتعامل معه .
واعتماد أهم العوامل والمؤثرات وجعله السبب في الحوادث هو أهم عمل لعقلنا . فالتحكم بالأسباب أوالعوامل هو ما نعتمده في كافة تصرفاتنا من أجل تحقيق دوافعنا وغاياتنا .
ومهمة المعارف والعلوم هي تحديد هذه الأسباب . فيقولون فتش عن السبب وتحكم به في تغيير مجرى الحوادث . ولكن هذه الآلية لها حدود فهي لا تسمح لنا التعامل الفكري مع اللانهاية واللاتناهي , وهي أيضاً لا تسمح لنا بتصور وجود سبب أول فيجب أن يكون هناك سبب قبله , فلكل وضع أو حادثة أو شيء يجب وجود سبب .
نحن نستطيع التحكم في سير الحوادث وبالتالي بالنتائج عن طريق العمل على إدخال مؤثرات جديدة أو حزف مؤثرات أو تغيير الأوضاع , لتوجيه سير الحوادث نحو وضع معين نريده .
فالأنسان ( وكذلك الكثير من الكائنات الحية ) لهم القدرة على الفعل نتيجة التفكير , والتأثير على سير بعض الحوادث الطبيعي والتحكم فيه وتوجيهه نحو وضع معين يريدونه , وهذا ما جعل الإنسان يشعر أن له إرادة بالتالي حرية العمل والقدرة على التحكم في الأشياء والأوضاع للوصول لوضع معين يريده . وهو يشعر أن يستطيع التخطيط و وضع الأهداف , والعمل على تحقيقها .
التناقض والتضارب السببي
ينتج التناقض السببي عن عدم صحة أو توافق نتائج العوامل ( أوالأسباب ) مع الهدف الموضوع , أو إعتماد أسباب لا تحقق أو تعيق تحقيق الهدف الموضوع مثال :
عمل الآلات الميكانيكية أو الأجهزة الكهربائية أو الإلكترونية . أن عمل الألة وقيامها بالعمل المخصصة له وحصول النتائج المطلوبة , يستدعي عدم حصول أسباب تناقض أو تمنع أو تعيق عمل الآلة المخصصة له .
وكذلك استمرار حياة ونمو أي كائن حي يستلزم عدم حدوث عوامل أو مسببات تمنع أو تعيق استمرار حياته ونموه , مثل المرض أو تضرر الأعضئه أو أجهزته الحيوية .
فمعالجة المرض , وأصلاح أعطال الآلات والأجهزة , وإصلاح أي فشل لمشروع زراعي أم صناعي . . , يستلزم إزالة الأسباب التي أدت لذلك .
إن تحقيق أي هدف أو مشروع أوغاية يستلزم توفر العوامل والأسباب اللازمة , بالإضافة لعدم حصول تناقض أو تضارب سببي يعيق تحقيق ذلك .
فالمشاريع الهندسية والصناعية والعمرانية والزراعية , وكذلك التجارية والاجتماعية , كلها تتحاشى التناقض والتضارب السببي , وتكون نتائجها مرتبطة بمدى تحقيق ذلك .
وفي حالة المشاريع الهندسة والصناعية والعمرانيةغالباً يمكن تحقيق ذلك إذا اعتمدت المعارف والعلوم الدقيقة اللازمة لتحاشي التضارب السببي .
وفي المشاريع الزراعية والبيولوجية وفي الطب  , يكون تحقيق ذلك أصعب ولكنه ممكن الوصول لنائج جيدة عند اعتماد المعارف الدقيقة المتوفرة .
أما في مجالات الاجتماعية الاقتصادية والسياسية فالأمور معقدة جداً نظراً لكثرت العوامل والأسباب وتشابكها , لذلك تحقيق ذلك يكون نسبته متواضعة .
دور وأهمية المعلومات ودقتها في التعامل مع التناقض السببي وإزالته .
التناقض السببي لا يمكن إزالته إلا بوجود معلومات دقيقة عن العوامل أوالأسباب , والتعامل معها بدقة وفاعلية . وحسب دقة وموضوعية المعلومات تكون درجة احتمال تحقيق الهدف الموضوع وتلافي التناقض السببي .
والمنهج الهندسي يعتمد بشكل أساسي على دقة و واقعية المعلومات والاختبار والتأكد من دقتها لتحاشي التناقض السببي الذي يعيق تحقيق المشاريع .
 
نحن نعرف أن إمكانية حصر كافة العوامل والأسباب لأي وضع , بصورة تامة ومطلقة مستحيل , فنحن نسعى لتحقيق التعامل مع أكبر كمية متاحة من العوامل والأسباب , ومراعات عدم تناقضها أو تضاربها مع مشاري

المزيد


التالي



على أنه لا ينبغي أن يغرب عن بالنا أن أفضل مدرسة للإطارات وأحسن طريق لتدريب المناضلين على الكفاح والتضحية في سبيل الشعب، هو في العمل اليومي الذي يباشره المناضلون حتى في أداء المهام البسيطة. إن على كل مناضل منا بوصفه مواطنا أن يؤدي العمل المنوط به بمنتهى الكفاءة والضمير المهني. فإن كان عاملا ميكانيكيا أو طبيبا أو ممرضا وجب عليه أن يتقن عمله خير إتقان. وان كان مرشدا أو مهندسا فلاحيا وجب أن يهيئ نفسه ليكون ركيزة الإصلاح الزراعي، وان كان أستاذا أو معلما وجب عليه أن يكون متضلعا في الأساليب البيداغوجية الطليعية. علينا أن نكون خميرة المجتمع التقدمي المزدهر الجديد الذي ننشده في غدنا القريب.