الاختيار الثوري في المغرب…..2
المهدي بنبركة
ثانيا: الحالة الداخلية.
لقد قلنا آنفا أن الجانب الإيجابي للانقلاب الذي حدث في ماي 1960 كان هو تبلور القوتين الأساسيتين في المغرب. فلم يعد مجال للقصر لكي يقف موضوعيا موقف الحكم أو الوسيط. وليست القوى المساعدة التي تدور في فلكه، من الشخصيات الباقية على رأس أحزاب خلت من محتواها الشعبي، وكل همها تمجيد ماضيها والافتخار به، أو من العملاء الذين يستمدون وجودهم من الخارج، أو من جماعة كبار الموظفين الذين يوهمون أنفسهم بأنهم تقنوقراطية البلاد، كل أولئك إنما هم في الحقيقة ظل للنظام نفسه، ويحافظون على بقائهم بتسخير أنفسهم لخدمته وللاستسلام لإرادته.
وهذا هو السر في تسرب النفوذ الأجنبي شيئا فشيئا واستفحاله. وهذا هو الذي يشرح أيضا البون الشاسع بين النتائج الهزيلة التي حققتها الحكومة القائمة بعد سنة ونصف، وبين خطب التهاني التي يمتدح بها النظام نفسه.
لقد أراد النظام القائم أن يبني مشروعيته على عجز التجارب السابقة، التي يدعي أنها تجارب حكومات الأحزاب التي فشلت في وضع سياسة تنمية صحيحة للبلاد, فالمبرر الوحيد إذن لبقائه، لو كتب له البقاء، هو في تنفيذ أهداف جزئية على الأقل لخطة التنمية الاقتصادية.
ولكن ماذا نرى الآن؟
إن الظاهرة الأولى هي أن ما من مشروع تتناوله وسائل الإعلام بالدعاية والتزمير، الا وهو اما امتداد لأحد المشاريع التي وضعتها الحكومة السالفة، واما مجرد تهويش لا يكاد يبين حتى يدخل في طي النسيان.
وليس المهم أن يتبنى النظام لحسابه شعاراتنا وأفكارنا بل وحتى خطوط برنامجنا، مدعيا أنه يريد تحقيقها من دوننا، بل المهم هو أن يستطيع ذلك.
فها هي الدعاية الرسمية قد استحوذت على المشاريع والدراسات بل والانجازات التي سهر عليها إخواننا (في مؤسسة الدراسات والمساهمات الصناعية) مدة توليهم مسؤولية وزارة الاقتصاد الوطني.
ولكن تلك المشاريع لا تلبث في أغلب الأحيان أن يصيبها المسخ فتصبح غير كفيلة بتحقيق التنمية الاقتصادية المنشودة هذا إذا لم تتحول إلى مجرد عمليات مقامرة واختلاس، مثلما حدث في مشروع آسفي. وإذا افتضح هذا المشروع قبل سواه فذلك لأن تطوره روج بالخارج، واستطعنا كشف النقاب عنه قبل فوات الأوان.
أ- نتائج السياسة الاقتصادية والاجتماعية.
حاول النظام الهروب من المشاكل الفلاحية بالبوادي بما سماه مشروع الإنعاش الوطني. وقد كانت نتيجة هذا المشروع هي سخرية كل الاخصائيين في ميدان التشغيل الجماعي للفلاحين. لأن الكل يعلم أنه لم يستطع أحد قط تجنيد الجماهير القروية قبل البدء بكسب ثقتها، ودون إعطائها وسائل الرقابة التي تمكنها من الشعور بأن المشروع في صالحها وفي خدمة أغراضها.
ومن الوجهة الاقتصادية البحتة، فإن مشروع الإنعاش الوطني ليس سوى مجموعة أوراش لتشغيل العاطلين مؤقتا، حسب إمكانيات تمويله بالقمح الأمريكي المقروض. وأن إسم المشروع وحده ليذكر باشباهه من مشاريع الرجعية المعروفة في عهد «فيشي» أيام المارشال بيتان بفرنسا. على أنه ما لبث أن فقد كل مدلول اقتصادي، وتحول في النهاية إلى أسلوب «التويزة» المستعمل أيام الحماية الفرنسية، لتنظيم الخدمة الإجبارية لصالح الحكام والاقطاعيين.
وقد سجل معنا بعض الاخصائيين الأجانب فشل هذا المشروع الدعائي بل وكذلك بعض المشرفين عليه أنفسهم.
وتتوالى الاجتماعات تلو الاجتماعات تحاول عبثا إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وكل ما تنتهي إليه هذه الاجتماعات هو شرح جديد لأهداف المشروع في الزراعة، وكان أربابه ما يزالون في طور تعريف وتمهيد ولادته. غير أن أبلغ دلالة على فشل النظام هي عدوله النهائي عن كل محاولة تخطيط اقتصادية بعد تبنيه مشروعنا لخطة الخمس سنوات الذي كان جاهزا سنة 1959، بعد أن عمل على إفراغه من مدلولاته الثورية، لاسيما ما يتعلق بالإصلاح الزراعي.
وبعد سنة ونصف من إعلان الخطة، يمكن القول بأنها لن تتحقق حتى في أهدافها الجزئية، ولو أن المسؤولين ما يزالون ينتبهون للمفعول السحري التي تحدثه عبارة «خطة الخمس سنوات» فهم لذلك لا يغفلون عن حشرها في خطبهم وتصريحاتهم من حين لآخر.
ومن بين هذه الأهداف الجزئية التي عجزت الحكومة الملكية عن تحقيقها، نورد مثالا واحدا يتعلق بميدان التعليم. فقد كانت الخطة قد حددت الأهداف المطلوب تحقيقها في كل سنة، مع بيان عدد الأقسام المنتظر بناؤها وعدد المعلمين الواجب تكوينهم. ولم تنتبه الحكومة أنه لم ينفذ شيء للاستعداد لحاجيات السنة الدراسية 1961-1962 إلاّ خلال عطلة صيف 1961، بحيث كان يستحيل عليها أن تواجه طلبات الالتحاق الجديدة المترتبة على زيادة المواليد وحدها، بقطع النظر عن الذين تجاوزوا سن الدخول في المرحلة الابتدائية، وليس لنصفهم أي مقعد بالمدارس. نعم، لقد ارتجلت الإدارة إذ ذاك ما سمي «بمشروع المدارس« لبناء عدد من الأقسام الجديدة خلال أشهر العطلة. ولكن مثل هذه «العمليات» ولو تم إنجازها – وهذا أمر مشكوك فيه - لا يمكنها أن تكرر كل سنة بهذا الشكل المرتجل. هذا مع العلم أنه يستحيل ارتجال مشروع تكوين المعلمين، كما يرتجل بناء الأقسام الدراسية.
ولم نتحدث في هذا المثال إلاّ من ناحية الكم، إذ المصيبة أدهى وأمر لو نظرنا لتنفيذ خطة التعليم من ناحية الكيف. ويكفي للدلالة على ذلك أن المغرب التجأ مرة أخرى هذه السنة إلى فرنسا برجاء إرسال ألفي مستشار من رجال التعليم، ومن بينهم 1200 للمرحلة الابتدائية، مما يجعل المغرب أكثر البلاد احتياجا للأجانب في التعليم حتى في المدارس الابتدائية.
والحقيقة المرة هي أنه، ولو أن أهداف الخطة في ميدان التعليم قد تحققت، فلن يكون لذلك أي معنى ما دامت الأهداف الاقتصادية بعيدة عن الدخول في مجال التحقيق. إذ ما الفائدة من أفواج المتخرجين الجدد إذا لم تتوفر لهم ظروف العمل في اقتصاد مزدهر.
ذلك أن نتائج سياسة النظام في الميدان الاقتصادي متجلية في الحالة السيئة التي يعرفها الجميع، من غلاء في الأسعار يمس على الخصوص جماهيرنا الكادحة، واستفحال في الضرائب يهدد مصير صغار التجار والحرفيين. وإذا كان النظام قد استطاع حتى الآن أن يتلافى أزمة اقتصادية خطيرة، بفضل الرصيد الذي تركناه في الخزينة عند مغادرتنا للحكم، وكذلك بفضل المساعدات والقروض الفرنسية والأمريكية، وإذا كان النظام ينتظر مهلة لأخذ نفس جديد من وراء المحصول الفلاحي الجديد المترقب هذه السنة، فإن تصرفاته الحالية في الميدان الاقتصادي والمالي، لو استمرت على ما هي عليه، فإنه لا يمكنها أن تؤذي إلاّ لنتيجة حتمية واحدة وهي العجز الفادح في ميزان المدفوعات الخارجية.
ولذلك نرى اليوم وزير الاقتصاد السيد محمد الدويري، وهو من حزب الاستقلال، يوجه النداء تلو النداء لجلب الاستثمارات المالية الأجنبية لمواجهة هذا العجز في ميزان المدفوعات، ولمحاولة الحصول على حقنة إنعاش الاقتصاد. فهو لا يكتفي بإعطاء كل التطمينات من أجل استرجاع المستثمرين لأرباحهم ولرؤوس أموال، بل ويطلب من الحكومة الفرنسية أن تمنح لرؤوس الأموال الفرنسية ضمانات استثنائية عن طريق قروض خاصة. وفوق ذلك كله فهو يمنح لرأس المال الأجنبي امتيازات جديدة في بلادنا، تحت ستار ما سماه «الصندوق الوطني للاستثمار».
وحتى إذا كتب النجاح لهذه السياسة – وهذا بعيد الاحتمال- فإنها لن تؤدي إلى تنمية اقتصادية سريعة ومنسجمة، وإنما ستكون نتيجتها تركيز طبقة من السماسرة غير المنتجين الذين سيكونون الوسيط بين الاستغلال الاستعماري في أسلوبه الجديد وبين الشعب المغربي، وسيصبحون العدو الألد لمغربة الاقتصاد القومي.
كل هذه المحاولات لتلافي الفشل، لا يمكن أن يكتب لها النجاح، لأنها مشكوك فيها من الناحية الفنية، ولأنها رجعية من الوجهة الاجتماعية.
فليس للنظام أدنى وسيلة لتحقيق ما يتبجح به، بالرغم من سرقته لشعاراتنا وبعض من برامجنا، لأنه عاجز عن ذلك. ومرجع هذا العجز وهذا الفشل هو أن الشعب ابقي مبعدا عن سائر المشاريع، وهذا ما لا يريد النظام إدراكه رغم ما يمكن أن يتعلمه عند غيرنا من دروس التجارب المتعددة.
ب – دعائم النظام
وحيث أن هذا النظام لا يمكنه أن يعتمد على ثقة الجماهير الشعبية والتفافها الإرادي حوله، فإنه محكوم عليه بأن يبقى تحت رحمة العون الخارجي، وأن يظل معتمدا في الداخل على عناصر أقل ما يقال عنها أنها فاقدة لكل فعالية، وهي الأجهزة الإدارية العليا والمتوسطة إلى جانب الجيش والشرطة.
أمّا فيما يخص الجهاز الإداري فقد عمد النظام إلى شراء موظفيه بكل ما في هذه الكلمة من معنى، منعما عليهم بامتيازات غير متناسبة البتة مع كفاءتهم وانتاجيتهم. ولكن لسوء حظ هذا الأسلوب من الحكم ، فإن الامتيازات بالطبع محدودة، بينما شره بعض الناس لا حد له. مع العلم أن الجهاز الإداري يقوم بالفعل على جمهور صغار الموظفين لا على الفئة الصغيرة من كبار الموظفين. وما دامت أغلبية الموظفين تجد أن وضعيتها تستفحل كما وكيفا، فإنها لا ترى وازعا يحثها على التضحية، بينما رؤسائهم غير متورعين عن ارتكاب الفضائح لتكديس الثروات الطائلة بحكم وظائفهم.
ولذلك لم يلبث الجهاز الإداري أن سرت فيه روح الاهمال واللامبالاة وتفشى فيه التعفن والفساد، كنتيجة حتمية لفقدان الرقابة الشعبية. وإن خطب الرسميين لا تجدي فتيلا لتغيير الأوضاع المتردية التي آلت إليها الإدارة فغدت أداة متعفنة ومشلولة.
فأي فائدة ترجى والحالة هذه من إدارة منخورة متغنغرة؟
أضف إلى ذلك التنافس المستحكم بين الفئات التي تؤلف زبائن النظام، والتي تتسابق على المناصب الإدارية، بعضها يريد وظائف وزارة العدل والبعض الآخر وظائف وزارة الداخلية، وفئة ثالثة ترشح نفسها لاحتلال مناصب إدارة القطاع العام. وقد بلغ الأمر إلى حد أقلق المسؤولين وحلفائهم الأجانب وبعض المتعاونين مع النظام.
أما الجيش والشرطة فإنهما جهازان يستمدان قاعدة المشتغلين فيهما من أبناء الشعب، فإن الجنود والضباط الذين كانوا يشتغلون في فرق عهد الحماية الأجنبية، والذين تشكلت منهم القوات الملكية المسلحة غداة الاستقلال، ما كان يدفعهم للانخراط في الجيش الفرنسي أو الإسباني سوى الهروب من سياسة الظلم أو عامل البطالة. بحيث أننا نجد في نفوسهم كما نجد عند فرق جيش التحرير التي حلت وأدمجت في صفوف القوات الملكية المسلحة في غشت 1956، نفس المطامح الشعبية التي تجيش بها نفوس عائلاتهم التي ما تزال مقيمة بالقرى، أو التي نزحت للأحياء الفقيرة بضواحي المدن الصناعية. هذه حقيقة يجب ألا نغفل عنها أبدا.
ولكن هناك حقيقة أخرى يتعين علينا كشفها هنا، وهي أننا باعتبارنا الجيش والشرطة الدعامتين الأساسيتين للنظام القائم، فلأن هذا النظام لم يسمح لهما قط بأدنى ارتباط مع الشعب، وظل يمانع في إصرار قبول أي شكل من أشكال التجنيد الشعبي للخدمة المدنية أو العسكرية التي من شأنها أن تخلق الرابطة الضرورية بين الجيش المحترف، وبين الشعب الذي وجد هذا الجيش مبدئيا لخدمته.
وكانت نتيجة هذا الحرص الذي يبديه القصر الملكي، في احتكاره للجيش كملكية خاصة به معزولة عن الشعب وفي إطار مغلق، أن تكونت شبه إقطاعية قوية التسليح، ومهددة بشتى أنواع المؤثرات الأجنبية والمصالح المشبوهة، دون أية وسيلة لحماية هذه القوات المسلحة من الأخطار، أو لاخضاعها لرقابة شعبية. فأصبح يخشى على النظام نفسه بسبب سياسته العمياء اللاشعبية أن يفقد سلطته على تسيير هذه الأداة. وقد كشفت تجربة الكونغو أن بعض المسؤولين على رأس القوات الملكية المسلحة، قد ينهجون سلوكا مناقضا للسياسة التي يعلن عنها النظام.
فالاحتمال قائم إذن في أن الدعامة التي يظن النظام أنه مرتكز عليها، لا اتفلت من يده فقط، بل إنها قد تصبح تهديدا خطيرا لبقائه.
ونحن عندما كنا نطالب بتأميم الجيش، فلأننا لم نكن نقصد الأشخاص المشتغلين في هذا الجيش، وإنما كان يعنينا كشف المهام التي يشغلونها والإدارة السياسية لجيش وما يحيط بها من الشبهات والأخطار المهددة لسلامة الأمة.
وليست هذه الأخطار سوى ما سبق أن تحدثنا عنه من نتائج سياسة الاستعمار الجديد في القارة الإفريقية بأسرها. وأن الظروف التي تسهل خضوع النظام لمناورات الاستعمار الجديد، لهي بقاء المؤسسات الاستعمارية التي خلفها نظام الحماية، والتي يشخصها مليون هكتار من الأراضي الزراعية المملكة للأجانب كما تعبر عنها سيطرة الاحتكارات الأجنبية على وسائل الإنتاج الأساسية ونظام التسليف والتجارة. ومما يزيد خضوع النظام القائم للرغبات الأجنبية، ضعفه وعجزه اللذان يضطرانه لإستجداء المساعدة المالية والفنية، تلك المساعدة التي تصبح والحالة هذه وسيلة لتركيز مصالح الاستعمار الجديد، ومصالح حلفائه الإقطاعيين والسماسرة البرجوازيين.
ثالثا – التناقضات الاجتماعية
لم تكن التناقضات الاجتماعية سنة 1955، أي قبيل اعلان الاستقلال السياسي قد برزت حدتها في شكل صراع طبقي، لكنها ما فتئت بعد ذلك أن تبلورت فأدت إلى تحول في الحركة الوطنية، انتهى سنة 1959 بظهور الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي فصل قيادة حزب الاستقلال الرجعية عن قاعدة التحرير الشعبية وقد تبع هذا التحول تحول مواز في الحكم بحدوث الانقلاب الرجعي سنة 1960.
فإن البرجوازية الكبرى الفلاحية والتجارية، مع نسبة ضئيلة منها في النشاط الصناعي، قد ربطت مصيرها منذ الاستقلال مع عناصر الاقطاعيين، ومع المؤسسات الاقتصادية الموروثة من عهد الاستعمار، بل انها وقفت دون ما كان الرأسمال الليبرالي الأجنبي مستعدا لمنحه اياها من مراكز بحكم سياسة الاستعمار الجديد. وكان هذا الموقف المتقاعس للبرجوازية ناشئا عن ضعفها كما وكيفا، وعن خوفها من الحركة العمالية وزحف الجماهير الشعبية.
فوضعها الراهن اليوم هو استسلامها المطلق للإقطاع والاستعمار الجديد. ونحن نرى نتيجة لذلك الموقف المتخاذل للمتكلمين باسمها في المسألة الدستورية، مع أن مصلحتها الطبقية كانت تفرض عليها الوقوف في وجه سيطرة القوى الحاكمة، وبذاك فقد حكمت على نفسها بالعبودية والتبعية بدون قيد ولا شرط.
نعم، مقابل هذه التبعية تستفيد البرجوازية الكبرى من السياسة الاقتصادية الحالية. فمما لا شك فيه أن مصالحها الأساسية في المدن والقرى قد امتدت وتحصنت بفضل الإجراءات القانونية المتعلقة بنظام التجارة والجمرك والضرائب. ولكنها لن تلبث أن تجد نفسها في النهاية – بحكم هذه السياسة – أمام أحد احتمالين لا مفر لها من اختيار أحدهما.
فإما أن تصبح برجوازية أعمال وإنتاج فتضطر لوضع مسألة تحقيق تحرر الاقتصاد الوطني.
وإما أن تكتفي بدورها الطفيلي كسيدها الإقطاع، تاركة كل الامتيازات الرئيسية بيد الأجانب المستغلين للبلاد.
ومهما يكن، فإن هذا السلوك المتميز للبرجوازية الكبرى الطبقية، وضع فاصلا بينهما وبين البرجوازية الوطنية، المتوسطة والصغيرة. التي يزداد فقرها يوما بعد يوم بسبب السياسة الاقتصادية القائمة وتتسع الهوة بين هذه الطبقة الوسطى وبين حفنة المنتفعين بالامتيازات التي يمنحها لهم النظام، بقدر ما يربطون مصالحهم بمصالح المستوطنين الأجانب، وبالرأسمالية الدولية في الميادين التجارية والصناعية والبنكية والفلاحية. وبهذا نفهم الوضعية الغريبة التي أشرنا إليها، وهي أن هذه البرجوازية الكبرى عاجزة عن احتلال المواقع التي يستطيع الاستعمار الجديد السماح بها وتسليمها.
فمن الخطأ إذن أن ننتظر

























