الإسلام / الماركسية
علاقة الالتقاء و الاختلاف…..3
محمد الحنفي
و ما نيل المطالب بالتمني و لكن تؤخذ الدنيا غلابا
احمد شوقي
* إلى كل الشهداء الذين اغتالتهم أيادي الظلام.
* إلى الشهيد عمر بن جلون الذي رحل قبل أن يؤدي دوره …
* اهدي هذا العمل الذي لا ادعي انه ينال من العمق ما يستحق.
* من اجل أن نتذكر، و أن نعتبر، و أن نجتهد، و أن نبدع.
* من اجل أن نساهم في بناء ما بدأوه.
محمد الحنفي
دور الإسلام و دور الماركسية…1 :
و قد يتساءل متسائل عن الدور الذي لعبه الإسلام ؟ و الدور الذي لعبته الماركسية ؟ و هل يمكن المقارنة بينهما ؟
إننا بوقوفنا على الشروط التي جاء فيها الإسلام و الشروط التي حكمت ظهور الماركسية سنصل إلى أن دور كل منهما ينسجم مع تلك الشروط، و سيكون له تأثير عظيم على المراحل اللاحقة.
فدور الإسلام المتجسد في :
1) نبذ عبادة الأوثان التي تعكس تمزق الجاهليين مما يقود إلى قيام حروب فيما بينهم، قد تدوم عقودا، و توحيد عبادة الله تعالى وحده "قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد و لم يولد و لم يكن له كفؤا أحد" "لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا" و توحيد عبادة الله يعتبر احسن مظهر لتحرر الإنسان من التبعية للبشر تلك التبعية التي قد تقوده إلى الاستعباد أو إلغاء إرادته جزئيا أو كليا بتحوله إلى مجرد كائن لا قيمة له. فتوحيد عبادة الله في مرحلة ظهور الإسلام تعني الحسم مع الأوضاع الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية التي كانت متردية بشكل عميق، و الحسم مع العصبية القبلية المتمثلة في تعدد الآلهة تبعا لتعدد القبائل و العشائر بل و الأفراد عندما يصبح لكل فرد إلهه الذي يسجد له كل صباح و كل مساء و الحسم مع الصراع بين القبائل المختلفة و تشجيع الحرية، و تحرير المستعبدين بكافة الأشكال و في كل المناسبات، و الحسم مع إلغاء كيان المرأة التي أصبحت تساوي الرجل إلا فيما اقتضته طبيعتها البيولوجية و أصبحت ترث بدل أن تورث كما كان يحصل. و في هذا الإطار نجد قول الرسول في عائشة "اتقوا هذه الحميرى فإنها نصف دينكم" و هذه القولة إذا كانت تعكس شيئا فإنها تعكس مدى تقدم المرأة على الرجل في مجالات معينة.
و أنواع الحسم التي أشرنا إليها لا تعني إلا إعلان القطيعة مع الماضي على جميع المستويات. و هو ما تم التعبير عنه بالقول (الإسلام يجب ما قبله). و الحسم لا يعني إلا بناء الحاضر على أسس جديدة استعدادا لمواجهة المستقبل بكل طموحاته و متطلباته و مشاكله التي لا حدود لها من اجل إنسان متحرر ملتزم بقواعد المعاملة التي تقتضي احترام كرامة الإنسان.
2) و من الأدوار التي لعبها الإسلام بعد ظهوره القضاء على التمزق الذي ساد بين العرب في الجزيرة العربية بسبب استجابة قبائل مختلفة إلى الدعوة إلى اعتناق الإسلام و الإيمان به كمدخل لتجاوز الوضعية التي كان عليها العرب في جاهليتهم. لأن اعتناق الدين الإسلامي احدث تحولا في عقيدتهم و تفكيرهم. فممارستهم اليومية الفردية و الجماعية جاءت نتيجة لتشبعهم بالقيم و المثل الجديدة التي تشدهم إلى الوحدة على أساس الانتماء القبلي و العرقي، بل على أساس العقيدة الإسلامية التي جعلت العرب يكتشفون وحدتهم و قوتهم و قدرتهم على إبداع حضارة جديدة دأبت في بنيتها كل الحضارات التي كانت قائمة حتى ذلك الوقت.
و من نتائج الوحدة العربية التي كان وراءها اعتناق العرب للدين الإسلامي وقيام الدولة العربية التي توسعت لتحكم من المحيط إلى الخليج انطلاقا من دولة الخلفاء الراشدين، و مرورا بدولة الأمويين و العباسيين، و قيام دولة الأدارسة في المغرب ودولة الأمويين بالأندلس و انتهاء بقيام مجموعة من الدول المتفرعة عن الدولة العباسية.
و لولا اعتناق العقيدة الإسلامية و تشبع العرب بقيم الإسلام ما كانت تلك الوحدة، و ما كان توسع الخريطة العربية كما نراها اليوم، و لولا انحراف التأويلات عن المقاصد الحقيقية للكتاب و السنة ما ظهرت تيارات المتنبئين الجدد التي لازالت تقود عملية ادلجة الدين الإسلامي إلى يومنا هذا، و ما ضعف العرب و تحولوا إلى أقطار تعادي بعضها كما كانت تفعل القبائل قبل الإسلام.
فهل يستطيع الدين الإسلامي أن يوحد العرب كما فعل من قبل ؟ أم أن شروطا أخرى قد تدخلت لتبقى الجسد العربي ممزقا ؟
3) و حتى تتجسد الوحدة العربية و تتم المحافظة على تلك الوحدة، لابد من قيام كيان عربي تأسس بعد وفاة الرسول (ص) الذي لا يمكن اعتباره مؤسسا للدولة العربية بقدر ما هو رسول الله تعالى، و هذا ما يمكن أن نفهمه من خطبته في حجة الوداع التي تضمنت آخر آية نزلت من عند الله "اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الإسلام دينا".
4) ففي اجتماع السقيفة تمت بيعة أبي بكر الصديق ليحمل لقب خليفة الرسول (ص) و بعده عمر ابن الخطاب الذي اختار لقب أمير المؤمنين…الخ لتتوالى بعد ذلك الدول المختلفة التي حرصت على وحدة العرب و المسلمين من جهة، و استحضار الدور الذي لعبه و يلعبه الإسلام من جهة أخرى رغم التأويلات المحرفة للنص الديني خدمة لمصالح الحكام و التي اصبح الحكام المستبدون في كل العصور يقتفون أثرها و يعملون على استثمارها لتضليل المحكومين الذين يعانون من الفقر و الظلم و الجوع و المرض و الاستبداد.
5) الانفتاح على غير العرب و على الديانات الأخرى كمظهر من مظاهر نبد التعصب، لأن الإسلام و منذ ظهوره أدرك أن العصبية القبلية يمكن أن تتحول إلى عصبية قومية أو عصبية دينية، و هو ما يتنافى مع حقيقة الإسلام التي وضعت الناس كافة في نفس الكفة " لا فرق بين عربي و عجمي و لا بين ابيض و اسود إلا بالتقوى" كما تدل على ذلك الآية الكريمة " يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة و خلق منها زوجها و بث منهما رجالا كثيرا و نساء، و اتقوا الله الذي تساءلون به و الأرحام إن الله كان عليكم رقيبا" و استعمال أسلوب ( يا أيها الناس) فيه دليل على نبذ التعصب القومي مما يوحي بأن الإسلام لا يسعى إلى وحدة العرب فقط، و إنما إلى وحدة البشرية جمعاء، و في جميع أنحاء العالم على أساس التشبع بالقيم النبيلة التي هي منطلق إنسانية المسلمين، كما لا يمكن أن تتحول إلى عصبية عقائدية. لذلك نجد الإسلام يدعو إلى الحوار بين الديانات كما جاء في الآية الكريمة "يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا و بينكم أن لا نعبد إلا الله، و لا نشرك به شيئا" فجميع الديانات التي تحترم وحدانية الله تعالى مدعوة إلى الحوار فيما بينها.
و محاربة الإسلام للعصبية القبلية، و نبذه لأشكالها ينفي عنه وقوفه وراء إرغام الناس على اعتناقه بحد السيف أو بأي ممارسة تفيد معنى الإرغام. فقد جاء في القرآن الكريم " ادع إلى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة، و جادلهم بالتي هي احسن" و قوله تعالى " و لا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي احسن" فكأنه تحققت فيه الحاجة المتبادلة بين البشر كما يقول الشاعر :
الناس للناس من بدو و حاضرة بعض لبعض و إن لم يشعروا خدم
6) و لتكتمل الصورة المثلى للإسلام بين المسلمين، و بينهم و بين غيرهم من البشر، نجده يحرص على إقامة العدل بين الناس. و العدل لا يكون كذلك إلا من خلال تجلياته الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية باعتبارها وسيلة لتمكين أفراد المجتمع من تحقيق كرامته

























