ان المحتوى الاجتماعي للحزب يستمد تركيبه من اختياراتنا الإيديولوجية ومن أفقنا الثوري، كما يبنى على ما استخلصناه من نتائج في تحليلنا للمواقف الأساسية لمختلف فئات المجتمع تجاه قضايا التحرر الكامل السياسي والاقتصادي ومشاكل بناء المجتمع الاشتراكي. فلا غرو أن نكون عن جدارة حزب الجماهير الكادحة الحضرية والقروية الذي يتجسد فيه التحالف بين العمال والفلاحين والمثقفين الثوريين. فنحن حزب الشعب المغربي باستثناء الطبقات المستغلة من إقطاعيين وبورجوازيين طفيليين حلفاء الاستعمار الجديد وركائزه.


ذهنية التحريم في العقل الشرعوي

أكتوبر 9th, 2009 كتبها يـامهدي يـاعمر لا بد من الانتصار نشر في , أدلجة الدين

 

ذهنية التحريم في العقل الشرعوي
 
 
نذير الماجد

nhmm313@hotmail.com
 
عند تفحصنا للعقل الديني في أكثر تجلياته الشرعوية بروزا نلمس انشدادا متأصلا نحو النص، وهو انشداد يستفحل أحيانا ليبدو كما لو أنه ارتداد نحو شكل من أشكال الصنمية. النص يحل محل الأقيونة التي تتمحور حولها كل الديانات المدعوة بالوثنية، فعبودية النص تستأثر بحصة الأسد في رسم ملامح القانون الذي هو الشريعة بحسب التراث، الطواف حول الوثن يستبدل بالاستناد الكلي لذلك النص المعصوم الذي يتمتع بقدرة تأثيرية بالغة على التفكير، النص المقصود هنا هو ذلك الذي لا يسمح إلا بتفسير حرفي لأن كل تأويل هو إعمال للعقل وبالتالي فهو خروج على النص وتعطيل لشموليته. وبموازاة هذا التعطيل الكلي لأي فعالية عقلية خارج النص يتم تشييء المتلقي ليغدو مثل أداة أو شيء آلي ليس بوسعه التأثير على النشاط التفسيري.

وكما أن عبودية النص هي بمثابة ارتداد للتفكير الصنمي بوصفه امتهان كلي لهذا القابع تحت هيمنته حيث يفقد النضج فيرتد نحو مرحلة القصور، فهي كذلك تؤدي إلى تعطيل أبرز امكانات العقل أي تلك القدرة الذهنية الخلاقة على استخراج الكليات، على هذا النحو يصبح الفقه فقهَ أحكامٍ جزئية منتزعة من غاياتها ومقاصدها، لأن فقه المقاصد مرتبط بشكل وثيق بالعقل، واستخراج المعنى أو الغاية هي فعالية عقلية مستقلة عن النص وإن لم تكن خارجة عنه بوصفها احدى آليات التفسير المستمدة من طبيعته.

النص والتفسير الحرفي يزيح العقل والتأويل، هذه هي السمة التي تلاحظ عند تشريح العقل الديني بشكل عام، ولكن من الظلم تعميمها على كل التيارات الفكرية العقدية والفقهية. هناك من الباحثين من تمكن من تشكيل مقاربة أقرب إلى الانصاف حول تاريخ التفكير الفقهي والعقدي في الاسلام الذي هو الأشد تمركزا من بين الأديان حول النص. الملاحظ هو وجود نزعة اعتزالية في التراث الشيعي تقابل النزعة النصية التي تشكلت منها مدرسة الحديث، هذا التوغل الاعتزالي والذي كان ناتجا عن الأفول والضمور المبكر للاعتزال السني، استطاع بموجبه العقل الشيعي أن يؤسس ذاته على معطيات العقل ومنجزات التأويل الذي سيشكل معيار التفاوت بين الاتجاهات الفكرية الأساسية في التراث الاسلامي، سواء كان سنيا أم شيعيا، سنجد مدرسة العقل التي تمثل الاتجاه الفلسفي، وهي المتهمة بانشداد صنمي آخر وفقا لخصومها أي أننا هنا بإزاء صنمية مغايرة لتلك التي تكتنف النص، هي صنمية العقل. لكن هذه المدرسة تشترك في امكانية التأويل مع اتجاهين آخرين: الاتجاه المدرسي "أهل الكلام" الذي يوظف العقل ولكن تحت مظلة النص، والاتجاه العرفاني الذي يلتزم منهج الاشراق ويستبطن النص ليستخرج منه دلالات غنوصية.

في مقابل هذا النزوع نحو التأويل الذي يجمع بين الاتجاهات الفكرية المحتضنة له، أي الاتجاهات الفلسفية والكلامية والعرفانية، سنعثر على أتباع التفسير الحرفي الذين سيشكلون فيما بعد المدرسة الظافرة للفقه الشرعوي، وهي التي تتسم بتأصيل صارم للقانون أو الفقه، بيد أنها وفي استفحال شرعوي مضاعف تجنح لاختزال الدين ليغدو مجرد سلسلة أح

المزيد


أسباب انهیارالمسلمین فی الأندلس

أكتوبر 9th, 2009 كتبها يـامهدي يـاعمر لا بد من الانتصار نشر في , أدلجة الدين

 

أسباب انهیارالمسلمین فی الأندلس
 
عبدالرضا عطاشی
 
فی الوهله الأولی یتبادر للذهن أَنَّه لا توجد أَيّ صله فیما بین العمل الأدبی و الدراسات التحلیلیه للاسباب المختلفه لرُقي المجتمعات و دراسة العوامل المؤدیة لانهیارها فهذه الفکره العامة بین الاوساط الفکریه والأدبیه متفشیه أیَّما تفشٍّ، فکثیر من الناس والدارسین فی الحقول المختلفه للعلوم الإنسانیِّه یجعلون هذا التدخل من قبل الأدب تدخلا معیبا لأهل الأدب فتری الواحد منهم وکانه یرید أن يضع حاجزاً بین الدراسات الأدبیه والدراسات التحلیلیه للمجتمعات، حتی و لواقترنت هذه الدراسات بنکهه أدبیه. نعم هنالک فوارق شاخصه بین البحوث الأدبیه والبحوث الاجتماعیه، إلا أنَّه لا یمکن أن نصف علاقه الأدب بالتحلیلات الاجتماعیه بأنها علاقه مبتوره. وطرق هذا الموضوع کثیر ما من الباحثین فی حقل الأدب و الدین، وهو لیس بجدید، فکثیر من الأدباء والذین حبَّرت یراعتَهم نتاجات ادبیِّه أًجَابُوا إِجابات موسعه فی هذا الصدد، فهذا السید قطب فی کتابه "النقدالأدبی" یقول: "لیست غایه العمل الأدبی اذن أن یعطینا حقائق عقلیه؛ ولا قضابا فلسفیه؛ ولا شیئا من هذا القبیل ؛کما أنَّه لیسَ من غایته أَن یُحقِق لنا أغراضا أخری تجعله محصورا فی نطاقها مصبوبا فی قوالبها، لیس الأدب مُکلَّفا أن یتحدث مثلا عن صراع الطبقات؛ ولا عن النهضات الصناعیه؛ کما إنَّه لیس مُکلَّفا أن یتحولَ الی خُطب وعظیه عن الفضیله والرذیله؛ ولا عن الکفاح السیاسی و الاجتماعی فی صوره معینه من الصور الوقتیه الزائله، ذلک الا ان یصبح احد هذه الموضوعات "تجربه شعوریه"خاصَّه للادیب ؛تنفعل بها نفسه من داخلها ؛ فیعبِّرتعبیرا موحیا مؤثرا، وقد یتبادر الی الذهن ان الأدب محظورعلیه ان یقصد الی ای غرض من اغراض الحیاه العلمیه.(1)وصراع الطبقات فی المجتمع الحدیث حقیقه اجتماعیه یحللها الرجل الاجتماعی و یذکر اسبابها و یتتبع اطوارها…. فلا یکون هذا عملا ادبیا. ولکن قد یأتی أدیب موهوب تنفعل نفسه بهذا الصراع ؛ویعیش بإحساسه فی غماره؛ فیصوره تصویرا إنسانیا؛ أو ینشیء حوله قصه او تمثیلیه یصور فیها هذا الصراع تصویرا حیا؛ ینفعل له من یقرؤه؛ ویعیش بشعوره مع أشخاصه و حوادثه.فهنا یصبح هذا التصویر عملا أدبیا.(2) فهذا القران الکریم والکتب السماویه الاخری التی هی قمه فی الأدب فی البعد اللفظی و البعد المعنوی و طراوه الالفاظ و استحکامها فهی تدرس المجتمعات البشریه فی کافه العصور نعم فهذه الکتب الالهیه التی هی انموذج رائع فی الأدب تحتوی علی تبیین الاسباب المؤدیه الی انهیار المجتمعات. ملخص القول: الدراسه المذکوره ادناه تسعی جاهده ان تقدم تحلیلا للاساب التی أدَّت الی انهیار الحضاره الأندلس یه معترفه بهذه الحقیقه بانها لا تضمُّ کُلّ شارده ووارده للموضوع، ثم لم یکن بوسعها أن تدعی بأَنَّه لا یأتیها الخطأ والباطل فی ثنایا ما قدمته من مواضیع والکمال کُل الکمال لله الواحد القهار. وتنقسم دراستنا لهذا الموضوع الی القسمین التالیین:
 
القسم الاول
 
دراسة عامة عن الأندلس
 
جزیره إیبریة:
 
جزیره ایبریه ibere اسم یطلق علی أقدم الاقوام الآریِّه التی کانت قد سکنت ایبریة قبل أن تسكنها أقوام "الواندال" و"الگوت" فاکثر المورخین الغربیین یطلقون لفظه ایبریه علی اسبانیا لکنَّ المورخین العرب یطلقون لفظه ایبریه علی جزیره تقع فیها الأندلس .
 
الأندلس
 
بعضهم یحرک الدال للاندلس بالفتح ( اندَلُس ) وبعضهم الاخر یحرک الدال للاندلس بالضم (اندُلُس) و قسم ثالث یری أَنَّ کلمه اندلس مشتقه من کلمه (واندال ) الاعراق البشریه الذین قطنوا جزیره ایبریه
 
الواندال:
 
أقوام من أعراق الجرمن او من أصول سلافیه وبعد ما قطنوا فی جزیره ایبریا اتسعت إمارتُهم الی شمال افریقیه
 
اندلس:
 
بعدما فتح المسلون جزیره ایبیریه اطلقوا علیها اسم "اندلس" فإذن هذه التسمیه أُطلِقت علی کُلِّ الجزیره (3)
 
حضاره الأندلس بعد الفتح
 
مما لا شک فیه أنَّ العلوم الإنسانية التی حملها المسلون الی الأندلس والاهتمام العالی و الدؤوب للاندلسیين والفاتحین من اخوتهم العرب فی سبیل التقدم العلمی والحضاری فعلی إثر ذلک اهتموا بتربیه الإنسان وإعداد ذوی النبوغ وعلی ضوء هذا التوجه تلاقحت فعلیا الحضاره الشرقیه و الحضاره الغربیه
 
فظهرت علوم فی الأندلس لم تکن اقل شانا من علوم اخوتهم المسلمین فی الشرق، فنظریاتهم فی الملاحه و الفلسفه و الفقه و اللغه و الجغرافیاو التاریخ و الهندسه وجُلُ هذه الظواهر الحضاریه کشفت عن نقابها فی القرن الثامن وفی هذا الصدد یقول الکتور عبدالحمید نعنعی فی کتابه: "تاریخ الدوله الامویه فی الأندلس ": "فی اواخر ایام الحکم بن هشام وفی مطلع ایام ابنه عبدالرحمن الثانی "الاوسط" اخذت تظهر فی بلاد الأندلس ملامح حضاره جدیده فیها الکثیر مما حمله معهم الفاتحون من مدنیات المشرق القدیمه و فیها مما هبَّ علی الأندلس فی القرن الثامن للمیلاد من ریاح حضاریه شامیه اولا ثُمَّ حجازیه مدنیه ""(4). وشاهد آخر یذکره
 
الدکتور عبدالواحد ذنون طه فی کتابه دراسات فی حضاره الأندلس وتاریخها": " إِنَّما العبره فی عمل کریستوف کولومبوس أنَّه قامَ علی نظریه علمیه واثبتت صحتها؛ وهي أَنَّ المتجه من شواطیء؛ أوربا غربا یَصِل إلی آسیا ؛ لأنَّ الأرض کرویه . النظریه عربیه ؛ (5)
 
ویضیف الدکتور ذنون طه فی کتابه المذکور اعلاه ""لیس من قبیل المصادفه ان یکون کولومبوس علی اتصال مع احد الیهود المتنصرین؛ الذی یتقن اللغه العربیه ؛وأن یصطحبه معه فی رحلته إلی العالم الجدید، ولا شک أنَّه استفاد مِنه قبل الرحله فی قراءه الکثیر من المولفات والخرائط العربیه التی ساعدت علی نجاح الرحله".(6) فإذا ما أردنا أن نذکرالعلوم و العلماء و الکتب و لانجازات التی حصلت فی الأندلس علی سبیل الاختصار و الذکر لا علی سبیل التحدید فهی کالآتي:
 
أ ـ الزارعه فی الأندلس :
 
کانت الزراعه فی شبه جزیره ایبیریا قبل الاسلام فی الأندلس تحت إطارالبرجوازیین الظلمه والفلاح عبد ملزم بخدمه سیده لا یتجرأ أن یأخذ المحاصیل والری للمحاصیل کان یتُمُّ علی منظومه الدیم لکنما فی الفتره التی حکم بها المسلمون فی الأندلس اختلف الوضع اختلافا ملحوضا فالمسلون حفروا القنوات ونصبوا النواعیر وبنوا السدود فی هذا المضمار یذکر البتاتونی فی رحلته :" فقد شقُّوا أَنهَارهَا وَ حَفروا ترَعَهَا وَ أَجرُّوا خَلَجَانَها ؛ وَسَیَّرُوا إليها (بلنسیه) الماء مِن جِبَال نِیفادا التی هِی مَقَر الثلوج المستودعه؛ وَ بَنَوا علی الترع قناطر کثیره لحجز المیاه و وصلُوا الی المنطقه العالیه حتی أصبحَت المنطقه جَنَّه مِن الجنَان وکَانَت دوره الزراعه فیها ثلاثیه فی السنه(7)
 
ب ـ المحاجر:أرض الأندلس کانت غنیه بالمعادن و المسلمون فی تلک الفتره استخرجوا الذهب من رمال الشواطیء بحر "لارده" و "شقر" و "تاجه" واستخرجُوا الفضه من محاجر "مرسیه" و "حمه" و "قرطبه" و "باجه" واستخرجوا الحدید من الوادی الکبیر بشمال قرطبه و اشبیلیه فاستخرجوا انواع الصخور الکریمه من جبال "مورنیا" (8)
 
ج: المعامل الصناعیه :المعامل الصناعیه فی الأندلس قبل الفتح کانت بسیطه جدا و فی مستوی تلبیه ما یطلبه الداخل لکنما بعد دخول المسلمین فی الأندلس تطورت صناعه الحریر و القطن و الاوانی و الرخام و الکمالیات
 
د: الموسیقا
 
نظرا للبیئه الأندلس یه و الجو العذب و اعتدال الهواء و الطبیعه الغناء و خصوبه الأرض وکثره المجاری و الانهر و تشجیع عبدالرحمن الثانی للشعراء و الموسیقیین تمیَّز بیئة الأندلس بالمحافل الأدبیه والمندیات الشعریه فالخليفة عبدالرحمن الثانی استدعی بعض الموسیقیین کالمغنی و الملحن الفارسی الحسن بن نافع الملقب بزریاب الذی تتلمذ علی ید الموسیقی الشهیر اسحاق الموصلی وفی هذا المجال یذکر الدکتور عبدالحمید النعنعی فی کتابه تاریخ الدوله الامویه فی الأندلس "" الخليفة عبدالرحمن الثانی انتدب الشاعر عباس بن ناصح الجزیری لیسافر الی العراق ولیحمل الیه بعض النفائس مما فیها من مصنفات موضوعه او مترجمه و کان مما حمله الجزیری من رحلته هذه کتاب ""السند هند""وهو من اقدم کتب الحساب والاعداد وقد ترجم فی بغدا الی العربیه (9)
 
هـ:الفلسفه والعلوم الاسلامیه
 
ظهرت الحرکه الفکریه والفلسفیه فی الأندلس منذ القرن الثالث للهجره عند دخول المعتزله وان کان الفقهاء المالکیه وقفوا موقفا امام المعتزله فهذا التضارب الفکری والفلسفی أدّی الی ظهور مفکرین و فلاسفه کابن مسره 240 ه.-854 م و ابن باجه 475 ه.ق -1082 م و ابن طفیل 520 ه -1106 م .یذکر ابن طفیل عن فضل ابن باجه موصفا ایاه""ان هذا العلم (الفلسفه ) اندر من الکبریت الاحمر لا سیَّما فی هذا الصقع الذی نحن فیه .لانَّه من الغرابه فی حدِّ لا یظفر بالیسر الا الفرد بعد الفرد ؛ ومَن ظفر بشيء منه لم یُکلِّم الناس الا رمزا .فإنَّ المله الحنیفه و الشریعه المحمدیه قد منعت الخوض فیه و حذَّرت مِنه ولا تظنُن أنَّ أحدا مِن أهل الأندلس کَتَبَ فیه شیئا فیه کفایه ؛وذلکَ أن مَن نشاء بالأندلس من أهل الفطره الفائقه قبل شیوع علم المنطق والفلسفه فیها قطعُوا أعمارهم بعلوم التعالیم و الریاضیات و بلغوا مبلغا رفیعا و لم یقدروا علی اکثر من ذلک ..ثُم خلف من بعدهم خلف آخر أحذق مِنهم نظرا وأقرب الی الحقیقه ولم یکُن فیهم أثقب ذهنا و لا أصح نظرا و لا أصدق رؤیه من أبی بکر الصائغ ابن باجه (10)
 
و: علوم الهیئه
 
العنایه بعلوم الهیئه و المجرات و النجوم شرعت منذ تولی عبدالرحمن الثانی 238 ه.ق -2

المزيد


هل الدين هو سبب تخلف الدول العربية ..؟؟

سبتمبر 8th, 2009 كتبها يـامهدي يـاعمر لا بد من الانتصار نشر في , أدلجة الدين

 

هل الدين هو سبب تخلف الدول العربية ..؟؟
 
ابراهيم علاء الدين

alaeddinibrahim@yahoo.com
 

احيانا تجذبك مساهمات رائعة على احد المقالات اما للتوسع في ذات المضمون الذي تضمنه المقال، او يدفعك لتوضيح عددا من النقاط التي تطرح بشكل ذكي تحمل وجهة نظر معارضة او متعارضة او مختلفة بهذه الدرجة او تلك مع وجهة نظرك، وهذا الحوار المتمدن الذي يقوم على مباديء وقيم الحوار الاخلاقي الديمقراطي والبعيد عن الازدراء والشتيمة ، حيث يجبر أي كاتب ولو من باب الالتزام الاخلاقي وتقدير مساهمات الاخرين على تناول تلك الملاحظات اما بالرد على التعليق في الجزء المخصص للتعليقات او يفرد لها مقالا خاصا والذي يقرر هذا او ذاك جدية المساهمات من ناحية وحيوية واهمية مضمون المساهمة (التعليق).
وقد استوقفتني الملاحظات التي عرضها عدد من السادة الكرام على مقال الامس (المنشور بالحوار المتمدن تحت عنوان كيف يمكن تغيير الافكار السائدة في المجتمع). ونظرا لاهميتها وجدت ضرورة لافرد لها مقالا خاصا.

واول هذه الملاحظات تلك التي تقدم بها استاذ تحت اسم "قاريء" ..ومن ابرز ملاحظاته "يشترك الكاتب الكريم مع غيره- حسب ما تيسر لي من فهم – بارجاع أسباب الكثبر من مظاهر التخلف لأسباب مادية وأقنصادية وعليه فليسمح سيادته لي بالأختلاف معه فأنا أميل لعكس السبب والنتيجة فلا أعتقد أن كثير من مجتمعاتنا العربية والتي لديها الحاجة الملحة حتي في القطاع الغني منها للأخذ بقواعد الحضارة والرقي للتعاون مع الأخريين الا أنها تجنح لأفكار غيبية تميل لأنتظار خيرات يسخرها الخالق تنزل من السماء هدية لقوم يتقون بدلا من احياء قيم العمل" ..( انتهت الفقرة).
وقد لفت نظري في هذه الفقرة جملة " حسب ما تيسر لي" مما يشير الى التواضع الجم من قبل السيد قاريء، مما يدفعني لان اقدم شكري واحترامي وتقديري لشخص "قاريء" الكريم).

لكن الموقف الاساسي في الفقرة السالفة الذكر تلك المتعلقة بالفكر الغيبي (واظن ان المقصود به الفكر الديني) واعتبارهمسؤولا عن التخلف في بلاد العرب.

اما الملاحظة الثانية فقد ذكرها الاستاذ رياض اسماعيل وجاءت في ذات السياق السابق حيث قال في مداخلته " اراؤك حول دور البنية التحتية والاقتصاد في تطور المجتمع مستمدة من تجارب و صراع حدث في مجتمع مختلف عن مجتمعنا وهو المجتمع الأوروبي ولا أعتقد أنه يمكن اسقاطتلك التجربة على مجتمعنا وذلك لأن عناصر الصراع مختلفة .. هناك مسيحية وهنا اسلام وهنا مربط الفرس، بتاريخها كله لم تصل أوربا الى درجة التخلف والانحطاط الذي وصل اليه المجتمع الاسلامي في عصور المماليك والعثمانيين. والتخلف عندهم كان له مكون اقتصادي أهم من المكون الفكري لهذا السبب كان من السهل على الأوربيين الانتقال الى عصر النهضة بفضل تطوير وسائل الانتاج بينما عندنا التخلف أساسه فكري ديني فتعاليم الاسلام صارمة وقاسية وتتدخل بكل شيء ولا تترك أي حيز للتفكير والابداع، كل الأجوبة جاهزة وعبادات لا تنتهي وتستهلك وقت وطاقة الناس، احتقار للمرأة وتعطيل لطاقاتها وتمييز بين الناس ، باختصار الشرخ عندنا كبير ووصل الى كل بيت ، الدين فرق أزواجا وفرق أخوة وفرق أصحابآ. (انتهت مداخلة الاخ رياض).

ما هو جوهر الفلسفة
وليسمج لي الاستاذان "قاريء" ورياضان اختلف معهما ايضا .. حيث ان الجنوح نحو الافكار الغيبية هو نتيجة منطقية بل حتمية لطبيعة الانتاج المادي للمجتمعات.
لذلك نجد هذ الافكار الغيبية ليست مزدهرة في بلاد العرب فقط ، وانما في جميع الدول ذات الاقتصادات المشابهة للاقتصادات العربية، في افريقيا واسيا وامريكا اللاتينية، ممن تسمى بدول العالم الثالث، فما بالنا بدول جنوب الصحراء، وهذا التشابه قائم رغم اختلاف الاديان (مسلم ومسيحي وهندوسي وبوذي) . وهذا يعني من وجهة نظري ان سبب التخلف هو مادي صرف.

ورأيي هذا مستمد من تفسيري لماهية الفلسفة وفق وجهة النظر الماركسية ومفادها ان التاريخ شهد فلسفات كثيرة وضعها فلاسفة كل منهم يمثل طبقة اجتماعية مختلفة ولكن كافة الفلسفات التي ظهرت في كل العصور تنقسم الى قسمين اساسيين هما : المادية .. و المثالية.
وتقوم الفلسفة المادية على اساس ان كل ما هو موجود بالكون هو مستقل وخارج عن وعي الانسان. ويعتبروا ان المادة ازلية لم يخلقها احد (تنفي اساس جميع الاديان التي تؤمن بقصة الخلق وادم وحواء والرسل والانبياء) وان الوعي هو نتاج التطور التاريخي للمادة
اما الفلسفة المثالية فتقوم على ان كل ما هو موجود في الكن موجود في وعي الانسان. وان الوعي بالتالي سبق المادة ، وان المادة مجرد نتاج ثانوي عن الوعي الذي انتج كافة الموجودات في الكون. ومن بين الفلاسفة المثاليين من يطلق عليهم بالفلاسفة الذاتيون الذين يرون ان العالم خلقه وعي انسان مفرد هو الذات، فيما هناك فريق اخر من الفلاسفة المثاليون يطلق عليهم الفلاسفة الموضوعيين يعتقدوا ان الكون خلقه وعي موضوعي خارج عن وعي الانسان .
وفيما يرى الفلاسفة الماديون انهم يستطيعون معرفة العالم وان معارف الانسان يجب الوثوق بها، وأن عقل الانسان قادر على معرفة جوهر الاشياء، فيما اغلب الفلاسفة المثاليين ينكروا امكانية معرفة العالم "اللأدريين" وبعض هؤلاء يعتقد ان الانسان لا يعرف العالم الموضوعي وانما يعرف افكاره.
وعلى مر العصور كان هناك تضاد وصراع بين الفلسفتين في تحديد المسالة الاساسية وهي هل المادة انتجت الوعي ام الوعي اوجد المادة. وايضا شمل التضاد والصراع الفلسفتين سؤال : هل يمكن للانسان معرفة العالم؟؟.
أي ان المسالة المركزية للفلسفة هي مسالة العلاقة بين المادة والفكر. فالفلسفة المادية تعارض بشدة الافكار الغيبية بينما الفلسفة المثالية تعارض العلم وتعتبره وهما غير واقعي.

الاديان – فلسفة مثالية
وبناء على هذا العرض السريع لمفهوم الفلسفة وكما اكد معظم الفلاسفة فلا يمكن تفسير سيرورة تاريخ المجتمعات البشرية الا بناء على احدى الفلسفتين اما المادية او المثالية.
ولما كان الدين وهو جزء رئيسي من مكونات الفكر الغيبي ينتمي للفلسفة المثالية التي ترى بان الوعي هو سيد الكون .. فالوعي بل والايمان بالذات الالهية هو جوهر الاديان السماوية الثلاث وبالتالي هو جوهر المعرفة وكينونتها لتصبح مصادر الاديان العهد القديم والعهد الجديد والقران هي التي تفسر وتوضح مسار التاريخ منذ "خلق الله اول انسان – آد

المزيد


ما الهدف من نقد الفكر الديني

يونيو 25th, 2009 كتبها يـامهدي يـاعمر لا بد من الانتصار نشر في , أدلجة الدين

 

ما الهدف من نقد الفكر الديني
 
 
 
نضال الصالح

nidal.saleh@azet.sk
 
نظام التعليق على الرسائل على هذه الصفحة وإعطاء الفرصة للقراء للتعليق على المقالات ومراسلة الكاتب رأسا تعطي الكاتب صورة ولو جزئية عن مقدار تقبل القراء أو عدمه لمقالاته. يصلني بين الحين والآخر رسائل أليكترونية تعلق على مقالاتي التي تنتقد الفكر الديني. بعضها من أصدقاء وأقارب من الوطن وبعضها من مجهولين أو متخفين تحت أسماء مجهولة. بعض تلك الرسائل جادة تسألني عن أمور بدت لمرسليها غير واضحة ، وهذه أرد عليها وأحاول قدر المستطاع أن أشرح ما بدا غامضا منها. بعض الرسائل الأخرى خفيفة الظل كرسالة ذلك الذي وعدني مشكورا بأن يصلي من أجلي ويدعو الله أن يهديني، فأرسلت إليه أشكره ورجوته أن يضف إلى دعاء هدايتي دعاءا بتحرير فلسطين والعراق من المحتلين الصهاينة والأمريكان ، ثم رسالة آخر طلب مني أن أذهب للمسجد وأصلي لله طالبا العفو منه. بعض الرسائل تثير فعلا الشفقة على كاتبيها، فهي تدل على الجهل الذي يصل في بعض الأحيان حد الغباء. ولكن كثيرا من الرسائل تعاتبني وتسألني لماذا أوجه انتقاداتي للفكر الديني الإسلامي حصرا ولا أنتقد بقية الأديان؟ بعضهم وخاصة أؤلئك الذين بعيشون في أوروبا مثلي يتهمونني بأنني بانتقادي الفكر الديني الإسلامي أحاول إرضاء الأوروبيين.
أولا وقبل كل شيء أنا أنتقد كل فكر يؤثر سلبا على المجتمعات التي ينتمي إليها أهلي وأبناء شعبي في العالم العربي ويمنع تقدمهم وتطورهم والتحاقهم بركب الحضارة والتقدم. ولقد قمت بانتقاد الفكر اليهودي التلمودي العنصري والذي يتسلح به الصهاينة والقائمين على الدولة العنصرية المغتصبة،إسرائيل. ولي في ذلك عدة كتب بالعربية والتشيكية وهناك قضية رفعت ضدي في المحاكم السلوفاكية منذ سبع سنين ولا تزال قائمة تحت تهمة العداء للسامية بسبب كتابي الذي صدر باللغة التشيكية " لماذا القتل في إسرائيل-صرخة فلسطينية".
أنا أنتقد الفكر أو الخطاب الديني الإسلامي المعاصر لأنني مسلم ولأن هذا الفكر يعنيني وله نأثير ضخم على المسيرة الحضارية لشعبي ولأن هذا الفكر تحول إلى فكر رجعي كلياني و تسلطي يرفض الآخر ويحجر على العقل و حرية الفكر مما يمنع مجتمعاتنا من التقدم والتطور ويلقي عليها جوا من الإرهاب الفكري الذي يصل إلى حد الإرهاب الجسدي.
لا شك في أن الفكر الديني المسيحي في حاجة ماسة إلى التجديد وكل فكر مهما كان نوعه يحتاج إلى التجديد وإلا تحجر، وكثير من التأويلات اللاهوتية التي يقوم عليها الفكر الديني المسيحي مثل نزول الله إلى الأرض وتجسده في جسم المسيح وغيرها بعيد عن المعقولية وغير مقبولة من الفكر العقلاني. كما أنه بين الحين والآخر ت

المزيد


العلاقة المتبادلة بين العلمانية و الدولة و الدين و المجتمع…..2

يونيو 21st, 2009 كتبها يـامهدي يـاعمر لا بد من الانتصار نشر في , أدلجة الدين

 

العلاقة المتبادلة بين العلمانية و الدولة و الدين و المجتمع…..2
 
 
 
 
محمد الحنفي

sihanafi@gmail.com
 
 
 
وبهذه المعالجة المتأنية للمفاهيم الواردة في موضوع الأرضية، يمكن أن نتساءل مرة أخرى، وبطريقة أخرى، وفي نفس سياق أسئلة الحوار المتمدن، التي تثير فينا الحاجة إلى طرح السؤال، ومحاولة مقاربة الجواب، مقاربة تتولد عنها أسئلة أخرى، تقف وراء حركة الفكر، التي تقوض الثوابت التي يعمل على تحصينها المستفيدون من الجمود الفكري، الذي يقف وراء سيادة الظلامية، التي تغرق البشرية في عمق التخلف، لأن أصحاب المصالح في الجمود الفكري، لا يروقهم أن يتنور الناس، وأن يتمرسوا على توليد الأفكار، واستشراف الجدة فيها، حتى تساهم في التطور الإيجابي للواقع، بما فيه مصلحة البشرية. ومن الأسئلة الملحة علينا في هذا الإطار نجد:

إذا كانت هناك علاقة بين العلمانية، والدولة، ما هو المعبر الذي تمر منه إلى الواقع؟

وهل يمكن أن تكون الدولة علمانية؟

أم أن الإنسان المنشئ للدولة هو الذي يكون علمانيا؟

وهل يمكن أن تقوم علاقة بين العلمانية، والدين؟

أم أن تلك العلاقة تمر عبر المتدينين الذين يقبلون العلمانية، أو يرفضونها، حسب اقتناعهم الديني، وهل هو منفتح؟ هل هو معتدل؟ هل هو متطرف؟

هل يمكن الحديث عن دين علماني؟

وما هو هذا الدين؟

وما مدى قابلية ذلك الدين بالعلمانية لتذويب هذه الحساسية المفرطة التي يحملها بعض المتدينين تجاه العلمانية؟

هل يسعى المتدينون العلمانيون إلى جعل العلمانية أمرا واقعا في جميع أنحاء العالم، وفي المواطن التي يتمكن منها الدين، أي دين؟

أليس المجتمع هو المجال الذي يمكن أن نستنبت منه إما القول بالدولة العلمانية، وإما بالدولة الدينية؟

أليست الدولة العلمانية قابلة لأن تصير ديمقراطية، وعادلة إذا تحررت من كل أشكال الاستبداد؟

أليست الدولة الدينية هي الاستبداد عينه لارتباطها بما يعرف ب"تطبيق الشرائع الدينية"؟

وما هي الشروط الموضوعية التي تجعل الدولة العلمانية تتحول إلى دولة دينية؟

وما هي الشروط الموضوعية التي تؤدي إلى تحول الدولة الدينية إلى دولة علمانية؟

إنها أسئلة لا أروم مقاربة الأجوبة عليها، بقدر ما أريد منها أن تكون مستفزة، والغاية هي إعمال العقل في واقعنا الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، الذي يحول دون سيادة العلمانية، وكأن البشرية بمعاداتها للعلمانية، أو اللائكية، كما يسميها الأصوليون المتزمتون، تصير ضد مصالحها التي تنبني، في الأصل، على إلغاء كل ما يخدش الحاجة إلى السلام، وفي حصر الصراع بين البشر على المستوى الديمقراطي، من أجل تجاوز جميع الشروط المؤدية إلى قيام صراع تناحري.

أهمية العلمانية، وأسسها الاقتصادية والاجتماعية والفكرية :

ونحن عندما نرتبط بمفهوم العلمانية، فإننا نجد أن هذا المفهوم يلقى أهمية خاصة، سواء من قبل المقتنعين به، أو من قبل من يعادونه، لقوة تأثيره في الناس.

ولذلك لا نستغرب وقوف هذا المفهوم وراء إسالة المئات من الأطنان من المداد، وبجميع اللغات، إما من أجل تحقيق أهدافها المتمثلة في تحرير الإنسان من أسر أدلجة الدين، وتحرير الدولة من سيطرة مؤدلجي الدين، أو حمايتها من الوقوع تحت تلك السيطرة، وإما من أجل تغييبها عن الواقع، الذي يصير تحت طائلة مؤدلجي الدين، باعتبارهم أوصياء على الدين. وانطلاقا من أن ما يقومون به، هو بأمر من الغيب الموحد للدين، أو بأمر من الله. لأنهم وحدهم من يدرك العلاقة مع الغيب، أو مع الله.

و بما أن العلمانية تهدف إلى تحرير الإنسان من اسر الغيب، وبما أن ذلك التحرير يجعل البشر قادرين على الإدراك العلمي للواقع الاجتماعي، وللعلاقات الاجتماعية القائمة فيه، وما هي القوانين الطبيعية، والاجتماعية التي تحركه؟ وما طبيعة التشكيلة الاقتصادية / الاجتماعية القائمة؟ وما هي الطبقات الاجتماعية المتصارعة في إطار تلك التشكيلة؟ وما هي علاقات الإنتاج القائمة فيها؟ وما هي المعتقدات السائدة في الواقع؟ وهل تشكل قوة مادية يمكن اعتمادها في تقويم الواقع، وجعله قادرا على إبخاس ما يدعيه مؤدلجو الدين، مما يهدد مصالحهم الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية. وهذا التهديد هو الذي يدفعهم، وبذلك الشكل الهستيري إلى تكفير المقتنعين بها.

و لولا التأثير الإيجابي للعلمانية في الواقع في تجلياته المختلفة، ما لقيت اهتمام المفكرين، والسياسيين، وما طرحتها المنظمات المختلفة كمطلب مستقبلي، وما لقيت تلك المعارضة الشرسة من قبل مؤدلجي الدين في كل مكان من العالم، ولو كان تأثيرها في الواقع سلبيا لتم نسيانها.

والمشكل ليس قائما في العلمانية، في حد ذاتها، بل في طبيعة الحمولة التي تعطاها من قبل هذه الجهة، أو تلك، سواء كانت مقتنعة بالعلمانية، أو رافضة لها، لأن التحاليل التي يتعمدونها، إما أنها تحاليل مثالية صرفة، تقود إلى القول بضرورة محاربة إشاعة هذا الفهم بين الناس، و إما أنها تحاليل تفتقر إلى الموضوعية، التي تستهدف الإقناع، والاقتناع العلميين.

ولذلك، فنحن في حاجة إلى الإسهاب في تناول الموضوع لمفهوم العلمانية، حتى يصير الفهم العلمي واضحا في الأذهان، وحتى يكون ذلك الوضوح وسيلة لإشاعته بين الناس، وحتى تصير المطالبة به واضحة، ومشروعة من المنظمات الجماهيرية، والسياسية، وفي أفق اعتماده كمنطلق في الحياة الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، وفي جميع مناحي الحياة، وعلى مستوى الأجرأة السياسية.

وشيوع العلمانية، أو عدم شيوعها في واقع معين، واعتمادها أو عدم اعتمادها في الأجرأة السياسية، له علاقة بإنضاج شروط تقبلها، أو عدم إنضاج تلك الشروط التي يعرفها واقع معين. وهذه الشروط لا تكون إلا موضوعية، موضوعية الواقع نفسه، لتبقى الشروط الذاتية مجرد إفراز للشروط الموضوعية، ليس إلا. و من هذه الشروط نجد :

1) سيادة اقتصاد وطني متحرر، يكون في خدمة مصالح الشعب المعني، حتى يتحقق في إطاره التوزيع العادل للثروة، عن طريق نهجج اختيارات اقتصادية تراعي قيام تنمية شاملة، وطنية، وجهوية، وإقليمية، و حلية، ومن أجل قيام حركة اقتصادية رائدة، ومعتمدة على أحدث الوسائل التقنية الحديثة، التي تقتضي إعدادا شاملا، وواسعا للشباب، من أجل المساهمة الإيجابية في تطور الاقتصاد الوطني، وفي تحرره، حتى يرقى إلى مستوى المنافسة، وحتى يكون في خدمة جميع أفراد الشعب، وحتى يتسبب في أشكال الحركات الأخرى، التي لها علاقة بالواقع نفسه.

2) و الاقتصاد الوطني المتحرر لا يكون قائما إلا على أساس تنمية اجتماعية حقيقية، في مجالات التعليم، والصحة، والسكن، والشغل، وغير ذلك، مما ينقل المجتمع المعني بالتنمية الاقتصادية المتحررة إلى مستويات أرقى من الخدمات الاجتماعية، التي تؤهل أي فرد من أفراد المجتمع، للقيام بالدور الإيجابي، في جميع المجالات الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية.

والخدمات الاجتماعية لا تصير في مستوى القدرة على إعداد الأفراد، والمجتمعات، إلى لعب دور إيجابي، إذا لم تكن منطلقاتها، وأهدافها علمانية صرفة، ومن أجل أن يتحرر الأفراد، والمجتمعات، من اعتماد المنطلقات، التي تقف وراء إنتاج فكر متخلف، يقود إلى اتخاذ موقف العداء من العلمانية، وفي احسن الأحوال، في جعل فهمها مشوها.

ولكن المشكل القائمة في طريق إشاعة الفهم الصحيح للعلمانية، وفي طريق اعتمادها من قبل الأفراد، والجماعات، هو هذه الاختيارات الرأسمالية التبعية، التي لا تراعي إلا خدمة مصالح الوسطاء، ومصالح الرأسمال العالمي، وعلى جميع المستويات الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، مما يؤدي إلى تدني الخدمات الاجتماعية، وخوصصتها، وجعلها وسيلة لابتزاز جيوب المواطنين، ولتعميق الفوارق الطبقية في المجتمع، ولنشر البؤس، والتخلف في صفوف الشرائح العريضة من المجتمع، مما يجعلها مجالا لإشاعة الفكر ال

المزيد


العلاقة المتبادلة بين العلمانية والدولة والدين والمجتمع…..1

يونيو 21st, 2009 كتبها يـامهدي يـاعمر لا بد من الانتصار نشر في , أدلجة الدين

 

العلاقة المتبادلة بين العلمانية والدولة والدين والمجتمع…..1
محمد الحنفي

sihanafi@gmail.com
 
 
مقدمة :
إن موضوع العلاقة بين العلمانية، والدولة، وبين العلمانية، والدين، وبين العلمانية، والمجتمع، أو العكس، هي علاقة تكاد تكون متداخلة، ومتناقضة في نفس الوقت. وحتى نزداد استيضاحا للأمر، يجب أن نتناول مفاهيم العلمانية، والدولة، والدين، والمجتمع، حسب ما يؤدي إليه منهجنا في التحليل، قبل أن نتناول أية علاقة تقوم في المفاهيم، وفيما بينها. وقبل أن نتناول أسئلة الحوار المتمدن بالإجابات المفترضة، حسب فهمنا، وانطلاقا من إدراكنا الخاص بموضوع " العلاقة المتبادلة بين العلمانية والدولة، والدين، والمجتمع" .

فهل تقوم علاقة فعلية بين العلمانية، والدولة على المستوى العام، وعلى المستوى الخاص؟

و هل تقوم علاقة بين العلمانية والدين؟

وما طبيعة هذه العلاقة ؟

وهل تقوم علاقة بين العلمانية، والمجتمع؟

وما طبيعة هذه العلاقة ؟

وهل تقوم علاقة بين الدولة، والدين؟

وما طبيعة هذه العلاقة؟

وهل تقوم علاقة بين الدين، والمجتمع؟

وما طبيعة هذه العلاقة؟

إننا، في الواقع، لا يمكن إلا أن نسلم بقيام كل هذه الأشكال من العلاقة بين العلمانية، والدولة، والدين، والمجتمع. ولكن هذه الأشكال من العلاقة لا تقوم، هكذا، في الهواء الطلق، بل تقوم من خلال الإنسان الذي يقر بها، فيقيم الدولة العلمانية أو لا يقيمها، ويجعل الدولة دينية، أو لا يجعلها، ويشكل مجتمعا علمانيا، أو دينيا، أو أي شيء آخر. فمن خلال الإنسان تحصل كل الروابط بين مكونات العنوان / الموضوع. وبدونه لا تكون تلك المكونات، حتى لا نتيه في المثالية المغرقة، وننزاح في اتجاه المزالق التي لا نهاية لها.

ونظرا لكون الإنسان هو مصدر كل شيء، فهو كذلك مساهم في كل أشكال التطور، التي عرفتها، وتعرفها البشرية، حسب ما تقتضيه مصلحته الفردية، ومصلحته الطبقية، وكلتا المصلحتين، تفرضان ضرورة القول بالعلمانية، أو العكس، والقول بضرورة الدولة العلمانية، أو الدولة المؤدلجة للدين، كما سنوضح ذلك … الخ.

و إذا كان الفرد هو مصدر كل ذلك، فإنه من خلال المجتمع، الذي يتكون من عدد من الأفراد، يفرز الأفكار المختلفة، التي تقتضيها حالة التطور، التي وصل إليها المجتمع. وبالتالي، فإن فكرة العلمانية، وفكرة الدولة، وفكرة الدين، هي أفكار اجتماعية، ولا نستطيع أن نقول غير ذلك. وهذه الأفكار لا وجود لها خارج المجتمع. كما أنها لا توجد بدونه، وغلبة فكرة، أو سيادتها على أفكار أخرى، لها علاقة بواقع التطور، أو التخلف في المجتمع. فالمجتمع المتطور اقتصاديا، واجتماعيا، وثقافيا، وإيديولوجيا، وسياسيا، لابد أن تسود فيه العلمانية، التي لا تلغي الدين. والمجتمع المتخلف في المجالات المذكورة، لابد أن يسود فيه الدين، الذي لا يلغي العلمانية. وتبعا لذلك، فالمجتمع الذي تسود فيه العلمانية، لابد أن يسعى إلى بناء الدولة العلمانية، أما المجتمع الذي يسود فيه الدين، فإن تلك السيادة تترتب عنها سيادة أدلجة الدين. والمجتمع الذي تسود فيه أدلجة الدين، لابد أن يسعى إلى بناء الدولة المؤدلجة للدين. وتبعا لذلك، فالأحزاب المنفرزة، إما أن تكون أحزابا علمانية تناضل من أجل الحرية، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، باعتبارها علامات كبرى للدولة العلمانية، المحتمل تحقيقها. وإما أن تكون أحزابا مؤدلجة للدين، "تجاهد" من أجل تطبيق "الشريعة الإسلامية"، كعلامة كبرى للدولة المؤدلجة للدين، القائمة على تكريس الاستبداد السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، أو للدولة المؤدلجة للدين، المحتمل قيامها على تكريس الاستبداد البديل.

ولذلك، فواقع المجتمع، هو المحدد للأفكار، وهو الذي يعطي لتلك الأفكار مضمونا معينا، وهو الذي يسمح أو لا يسمح بأجرأتها على أرض الواقع، سواء تعلقت بالعلمانية، أو بالدولة، أو بالدين، أو بالعلاقة التي تقوم بينها جميعا.

توضيح المفاهيم أولا :

فماذا نقصد بتوضيح المفاهيم؟

وما هي المفاهيم التي تحتاج إلى توضيح؟

وانطلاقا من عنوان هذه الأرضية، ومن تلوينات مكوناته، نستطيع أن نقول: إن توضيح أي مفهوم يقتضي إعطاءه مضمونا معينا، ينسجم مع المنهج المعتمد في التناول، حتى لا يتيه القارئ والمتتبع، وحتى تؤدي هذه الأرضية دورها المنشود. لأنه بدون توضح المفهوم، لا يمكن أن يتحدد المفهوم، نفسه، من وجهة نظر معينة، ولا يمكن أن يؤدي الهدف المتوخى من المعالجة.

و بناء على ما سبق نستطيع أن نتبين أن:

1) العلمانية توجه فكري، علمي، سياسي، يهدف إلى اعتماد القيم الاجتماعية، والسياسية، والفكرية، والمسلكية على أنها من إنتاج الواقع الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والعلمي، والمعرفي، والحقوقي، والإنساني، والسياسي، وأن الغيب غير منتج لها، وغير متحكم فيها، أو موجه للقيام بها، إلا من وجهة نظر إيديولوجية تسعى إلى تضليل جميع أفراد المجتمع، حتى لا يقووا على مواجهة ما يمارس عليهم.

وهذا التوجه، يعمل على أن يعي الناس، جميعا، بدورهم في تقرير مصيرهم الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، انطلاقا من مستوى التطور الذي وصلوا إليه، سواء تعلق الأمر بالتشكيلة الاقتصادية الاجتماعية الرأسمالية، أو بالتشكيلة الاقتصادية الاجتماعية الاشتراكية، حتى لا نقول التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية الإقطاعية. لأن هذه التشكيلة، ونظرا لعمق تخلفها، لا يمكن أن تسود فيها العلمانية، لتناقضها مع مصالح الإقطاعيين.

والعلمانية تصير مطروحة كفكر، وكعلم، وكممارسة حياتية، وسياسية، عندما يعرف المجتمع، الذي يصير فيه تحكم قيم الغيب، أو القيم الدينية/السياسية(المؤدلجة للدين)، عاملا من عوامل عرقلة ذلك التطور. مما يؤدي إلى اعتماد الاستبداد، كوسيلة لفرض تحكم ذلك الغيب، بل واعتماد ممارسة إرهاب الدولة، أو إرهاب مؤدلجي الدين الإسلامي: المادي، والمعنوي لفرض تحكم الغيب، الذي لا يوجد إلا في أذهان المستبدين، أو في أذهان من يسعون إلى فرض استبداد بديل.

ولأن المجتمع المتطور لابد أن يعرف صراعا معينا، وأن ذلك الصراع لا يكون منتجا إلا باعتماد الممارسة الديمقراطية الدقيقة، وأن تلك الممارسة لا تؤتي أكلها إلا إذا اعتمدت القيم العلمانية لتحرير الإنسان من أسر الغيب، حتى يستطيع التعبير عن رأيه في كل ما يجري على أرضه، وعلى جميع المستويات الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، أي أن العلمانية تعتبر عاملا من عوامل التحرر من القيم المتخلفة، المنبثقة عن سيادة الفكر الخرافي، وتحكم الفكر الإيديولوجي الديني.

والعلمانية تقوم على انتشار العلم، والمعرفة الفلسفية، والفكرية، و ،على انعتاق الدين من أسر الأدلجة، حتى يصير ما لله لله، وما لقيصر لقيصر، كما قالوا منذ القديم، وحتى يكون أمر الناس شورى فيما بينهم، دون تدخل أي جهة، مهما كانت هذه الجهة، حتى وإن كانت هي الدين نفسه، كما جاء في القرءان: "و أمرهم شورى بينهم".

والعلمانية تتيح الفرصة أمام المعتقدات الدينية، في تفاعلها مع الواقع، وفي فعلها فيه، ومن أجل أن تتحول إلى قوة مادية مؤثرة في الاتجاه المساعد على تطور المجتمع في الاتجاه الصحيح، وفي اتجاه جعل قضية العلمانية قضية مسلم بصلاحيتها للواقع، في تجلياته المختلفة.

2) أما الدولة، فمهما قلنا في توضيحها، فإننا لا نتجاوز أن نقول: إنها مجموع الأجهزة القمعية، والإيديولوجية، والسياسية، التي توظفها الطبقة، التي تصير حاكمة بفعل عوامل معينة، من أجل فرض كافة أشكال السيطرة الطبقية القمعية، المدعومة إيديولوجيا، وسياسيا.

وهذا المفهوم ذو البعد المادي / التاريخي، والماركسي، هو الذي يبقى حاضرا في الممارسة اليومية للطبقة الحاكمة، ولأجهزة سيطرتها الطبقية، كيفما كانت المفاهيم المثالية، التي يحاول الدارسون إعطاءها لمفهوم الدولة، من خلال ذلك الركام الهائل من الكتب، والدراسات، التي تزخر بها المكتبات الخاصة، والعامة، تشغل وقتا كبيرا من أجل أن يستوعب طلبة الدراسات الجامعية، تلك المضامين المثالية للدولة، في الوقت نستطيع فيه أن نسجل :

أ- أن الدولة هي أداة السيطرة الطبقية القمعية، والإيديولوجية، والسياسية، وما يترتب عن ذلك من آليات تعتمد لتكريس تلك السيطرة.

ب- أن الدولة، باعتبارها أداة للسيطرة الطبقية، تختلف بحسب التشكيلة الاقتصادية، والاجتماعية العبودية، أو الإقطاعية، أو الرأسمالية، أو الاشتراكية.

ج- أن الدولة باعتبارها ذات طبيعة طبقية، تكون إما إقطاعية، أو بورجوازية تابعة، أو بورجوازية وطنية، أو بورجوازية صغرى، أو عمالية.

د- أن الدولة باعتبار الطبقة التي تتحكم فيها، تكون إما استبدادية، وإما ديمقراطية.

ه- أن الدولة الاستبدادية إما أن تكون محكومة بالاستبداد الفردي، وإما بالاستبداد المؤدلج للدين.

و- أن الدولة هي إطار لقيادة الصراع ضد الطبقات المناهضة للطبقة الحاكمة، والمعانية من استغلالها الطبقي.

ز- أن صراع الدولة إما أن يكون تناحريا، و إما أن يكون ديمقراطيا.

ح- أن الدولة الاستبدادية، هي التي تقود الصراع التناحري ضد الطبقات المناهضة للطبقة الحاكمة، أو للتحالف الطبقي الحاكم.

ط- أن الدولة الديمقراطية، هي التي تشرف على إجراء حوار بين الطبقات الاجتماعية، بواسطة الهيئات الممثلة لتلك الطبقات، سواء كانت حقوقية، أو نقابية، أو ثقافية، أو حزبية، من أجل الوصول إلى تحقيق المطالب الديمقراطية، التي يستفيد منها.

ي- أن الجماهير الشعبية الكادحة تنشد، ومن خلال التنظيمات التي تمثلها، قيام الدولة الديمقراطية، التي لا يهمها أن تكون بورجوازية، أو عمالية، ما دام المضمون الذي يعطى للديمقراطية يتخذ طابعا اقتصاديا، واجتماعيا، وثقافيا، ومدنيا وسياسيا، ومادام يقف وراء تمتيع جميع الناس بجميع الحقوق.

وانطلاقا مما سجلناه، نستطيع أن نقول إن طبيعة الدولة تنسجم مع مستوى الوعي السائد في صفوف الجماهير الشعبية.

هل هو وعي ديمقراطي؟

هل هو وعي إيديولوجي؟
هل هو وعي سياسي؟

إن شكل الوعي السائد يتحكم بشكل كبير في تحديد طبيعة الدولة.

3) وبالنسبة لمفهوم الدين، فإنه، في نظرنا، لا يتجاوز أن يكون مجموع المعتقدات الشعبية، التي يرتكز كل معتقد منها على مسلمات معينة، لتحقيق إيمان معين، والمتضمنة في كتاب معين، كما هو الشأن بالنسبة لليهودية، أو المسيحية، أو الإسلام.

وحسب هذا المفهوم، فإن الإيمان بمعنى التسليم بما تقتضيه المعتقدات المختلفة، يصير من مكونات الواقع الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي في نفس الوقت. فكل ما يقع للإنسان، وما يفعله في جميع المجالات، يعتبر قدرا، ومقدرا، ولا أحد يستطيع أن يقول غير ذلك، ودون استخدام للعقل، أو للفكر، انطلاقا من معطيات الواقع المادي، والمعنوي، فإنه يصير ملحدا، وكافرا، أو زنديقا، أو صهيونيا، أو علمانيا، أو شيوعيا. وكل هؤلاء يجب قتلهم، والتخلص منهم، حتى تكون السيادة للدين، الذي يقتضي التسليم المطلق بما يقتضيه هذا الدين، أو ذاك.

والواقع أن الإيغال في سلب الإنسان عن واقعه، وفي جعله مسلوب الإرادة، كما تفعل اليهودية على مر العصور، وإلى يومنا هذا، وكما فعلت المسيحية في القرون الوسطى، وكما تفعل بعض التوجهات المحسوبة على الدين الإسلامي، ومنذ مقتل عثمان بن عفان، وإلى يومنا هذا، ما هو إلا نتيجة لفرض الوصاية على الدين، الذي يصير مأسورا بدوره من قبل أشخاص، أو من قبل أحزاب دينية مؤدلجة للدين الإسلامي، الذي يتحول إلى مجرد تعبير عن مصالح أشخاص معينين، أو مصالح المنتمين إلى أحزاب دينية معينة، ومن خلالهم عن مصالح الطبقة الحاكمة، أو عن مصالح التحالف الطبقي الحاكم، ومصالح الطبقة، أو التحالف الطبقي الساعي إلى امتلاك الحكم.

والدين عندما يصير مجرد تعبير عن مصالح طبقية معينة، يفقد كونه معتقدا قائما في الواقع، انطلاقا من اختيار الناس الإيمان به، واعتناقه، ليتحول إلى وسيلة لتجييش الناس، الذين يرغمون على اعتناقه، حتى لا يتم وصفهم بما يقتضي قطع رؤوسهم باسم "الجهاد"، ورغبة في جعلهم يقبلون ما يسمى عند مؤدلجي الدين، بتطبيق شريعة دين معين. ذلك التطبيق الذي يصير وحده سلاحا ضد المتدينين، لأنه يقود إلى قطع الأيدي، والأرجل، وإلى تعذيب الناس عن طريق الجلد، وإلى قطع الرؤوس، أو إزهاق الأرواح بواسطة الرجم، وغير ذلك، مما يزرع الرعب في صفوف المتدينين.

وقد ظهر، منذ القدم، علم، اسمه علم الكلام، الذي يطرح أسئلة عميقة، حول مصير الإنسان، و حول واقع أفعاله، هل هو من اختياره، أم أنه مجبر على فعلها. وبقطع النظر على الإجابات المحتملة من قبل هذا التوجه الديني، أو ذاك، فإننا نبني على ذلك سؤالا آخر يفرض نفسه. وهو أن الإنسان إذا كان مجبرا على القيام بأفعال معينة، فلماذا يحاسب على تلك الأفعال؟ ولماذا ورود أحكام من هذا الكتاب المنزل، أو ذاك. وإذا كان غير مجبر، فإن معنى ذلك أنه يختار الأفعال التي يقوم بها. وفي هذه الحالة، نجد أن أفعاله تتغير باستمرار. وأن ذلك التغير يقتضي منا القول بأن "تطبيق شريعة" أي دين، يجب أن تستبعد، لأن الشروط التي اقتضت تلك الأحكام لم تعد قائمة في الواقع المتحول باستمرار، بسبب تغير شروطه الاقتصادية، والاجتماعية باستمرار، بما يقتضي اتفاق الناس على قوانين معينة، تنظم شؤونهم المختلفة، وهذه القوانين يجب أن تتغير حسب تغير الشروط الزمانية، والمكانية.

و حتى يصير الدين، أي دين، قوة إيمانية، ومادية قائمة في الواقع، ومن اختيار الناس، ودون إرغامهم على ذلك من أية جهة كانت، كما جاء في القرءان: " لا إكراه في الدين"، يجب أن يتحرر الدين، نفسه، من أسر الوصاية، قبل تحرير الناس من اعتناقه تحت حد السيف. وهذا التحرير يقتضي الحرص على إعادة الاعتبار لحرية العقيدة، التي هي الأصل: " فمن شاء فليومن، و من شاء فليكفر"، والعمل على تسييد خطاب يؤدي إلى امتلاك الوعي بالحرية على جميع المستويات الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، حتى تتكرس حرية الاعتقاد كواقع مسلم به، من أجل قطع الطريق أمام أدلجة المعتقدات نفسها، حتى صافية من كل ما

المزيد


قـــراءة نقديّة في كتاب هشام جعيّط الوحي والقرآن والنبوّة

يونيو 20th, 2009 كتبها يـامهدي يـاعمر لا بد من الانتصار نشر في , أدلجة الدين

 

قـــراءة نقديّة في كتاب هشام جعيّط الوحي والقرآن والنبوّة
 
بقلم فريد العليبي
مدخـل
تمّ إثراء المكتبة العربية خلال السنوات الأخيرة بمؤلفات عديدة تناولت بالدرس قضايا هامّة تتصل بالمسألة الدينية ، وقد تزايدت تلك الإصدارات في علاقة وثيقة بتنامي الدعوات النكوصية المتسربلة بالمقدس الإسلامي وما رافق ذلك من حملات التكفير وتفشّي ظواهر مثل المذابح الجماعية التي راح ضحيتها آلاف البشر ، كان أبطالها أناس يعانون في غالبيتهم من جهل مطبق ليس فقط بالعصر وتحدياته الحقيقية وإنّما كذلك بالشعارات التي يرفعونها والأسس الفكرية التي تقوم عليها.
وإن كانت حركة التأليف تلك إيجابية في حدّ ذاتها بغضّ النظر عن المضامين التي يحتويها هذا الكتاب أو ذاك ، من حيث كونها تدفع بالحوار حول المسألة الدينية ولواحقها إلى السطح وتساهم بالتالي في كسر طوق التحريم الذي أحاط بتناول إحدى المسائل التي ظلّ يلفّها الغموض المقصود، فلا شكّ أنّ  إخضاع تلك المؤلفات للنقد سوف يساهم في التأسيس لطروحات عقلانية لا يمكن في نهاية المطاف إلاّ أن تشقّ طريقها إلى أذهان أوسع الناس المعنيين أصلا بتملكّها.
وتستمدّ المعركة الفكرية الدائرة حاليا في ساحة الثقافة العربية بين تيارات فكرية متابينة قيمتها من هذا الأساس بالذات ، أي من حيث صلتها بتلك الجموع من البشر التي ظلّت في غربة عن إدراك كنه تلك المسائل جرّاء التعمية الإيديولوجية التي كان هدفها باستمرار خلق جمهور مطوع سلس الانقياد.
ومن ثمّة فإنّ التفكير في قضايا مثل الوحي والقرآن والنبوّة، وهي المواضيع التي تطرق إليها هشام جعيّط في كتابه  يعدّ في حدّ ذاته وبغض النظر عن مضمونه مثلما أسلفنا أمرا على جانب كبير من الأهمية، إذ يمثّل مناسبة لتطارح تلك القضايا من جديد، نقول من جديد لأن الخوض في ذلك لم تـخل منه الثقافة العربية ، وقد نكون اليوم في حاجة إلى استلهام الجرأة والخصب اللذين ناقش بـهما المفكرون العرب الأوائل تلك المواضيع.
لقد تميّزت مقاربة جعيّط للمسألة الدينية بولوجها المناطق المحظورة عادة على التفكير ، وهي من هذه الناحية مثيرة للإعجاب إذ تتجمع فيها عناصر الحماسة الفكرية المتحفزة للتعبير عماّ يجب التعبير عنه، غير أنها حماسة سرعان ما ترتدّ على ذاتها وتنكص على أعقابـها مثلما سوف نرى.
 
 جعيط وقضايا المنهج :
يؤكد جعيط أن تناوله للمسائل التي عرض لها في كتابه يتصف بفرادته إذ لم يسبقه إلى ذلك أي من الباحثين المسلمين وغير المسلمين ، قديما و حديثا، و يصف المنهج الذي اعتمده في البحث بأنه " عقلاني تفهمّي" مشيرا إلى أن هذا المنهج من إبداعه واستنباطه ، يقول " و قد حاولنا في هذا الكتاب الاعتماد على المعرفة و استنباط منهج عقلاني تفهمي. لم نجده لا عند المسلمين القدامى من أهل السير و التاريخ والحديث و لا عند المسلمين المعاصرين، وأكثر من ذلك ان المستشرفين على سعة إطلاعهم لم يأتوا ببحث يـذكر في هـذا الميـدان و تبقى دراساتهم هزيلة  1 . وبذلك ينسب المؤلف لنفسه السبق على مستوى المنهج المعتمد في قراءة الوحي و القرآن  والنبوة و كان حريا به أن يثبت " لا عقلانية" و " لا تفهميّة" هؤلاء الذين وضعهم جميعا في خانة واحدة رغم اختلافاتهم و تعدد طروحاتهم .
اللافت أن جعيط لا يلبث أن يعترف بأنه أخذ ذلك المنهج عن " فحول الفكر و التاريخ في الغرب"2 ، غير أنه لا يذكر من هم هؤلاء ثم يوجه لهم اللوم لأنهم هم أيضا " لم يهتموا بالإسلام إلا قليلا.3    و يودّ جعيط بذلك إقناع القارئ أنه يحرث أرضا بكرا، وأنّه يستعمل سلاحا جديدا في معركة اشتد أوارها و أن الكلمة الأخيرة هي كلمته.
ولكن ما هو هذا المنهج الذي يستعمله المؤلف؟ لنرى ماذا يقول عنه : " سيتجه مجهودنا إلى مقاربة تاريخية معتمدة على النصوص و على المقارنة، و إلى مقاربة ظواهرية "4 . ويفهم جعيط المقاربة التاريخية على النحو التالي : "ولا يعنى   التاريخ هنا تقديم الظروف الخارجية لنزول الوحي  كما ورد ذلك في السير و التواريخ بل إستقراء القرآن أساسا، عندما يذكر و يصف تجربة الوحي لدى النبي، و القرآن هو المصدر التاريخي المعتمد الصحيح، لأنه يرمز إلى ماهية الوحي و الظروف التي حفت ببدئه،  و تواصله، و لا يدخل في التفاصيل الدنيوية الفارغة".5
ما يريد المؤلف إستبعاده إذن هو " الظروف الخاريجية" و"التفاصيل الدنيوية الفارغة" بإعتبارها عائقا يحول دون فهم الإشكاليات التي ينصب عليها بحثه والإستعاضه عن ذلك كله بالقرآن ذاته، أي بالنص الذي يمكن إستنطاقه هو دون سواه في سبيل الظفر بالحقيقة التي ندب السيد جعيط نفسه للتحصيل عليها، و لتوضيح توجهه المنهجي ينبئنا أنه يتوخى المقاربة الفينومنولوجية تحديدا بقوله : " وليس لنا مع هذا أن نستسلم و نتخلى عن طريقتنا الفينومنولوجية، و إلا رددنا ما أوردته المصادر القديمة،   "6 معتبرا أن ذلك هو الضمان الذي يكفل الإفلات من قبضة التأويلات التي لا علاقة لها بالعلم، فالسيد جعيط حريص على إثبات أنه لا يقدم لنا تأويلات وإنما حقائق لا تخالطها الريبة بقوله : " فهمّنا هنا لا ينحصر في المنهجية التاريخية بقدر ما يتجه إلى إستقراء القرآن بمنهج ظاهري كما يعطي نفسه للقراءة و الفهم بدون تأويل و إسقاط ".7
ويكاد  من خلال ترديده في مواضع شتى من كتابة أنه يعتمد المنهج الفينمولوجي أن يصرخ في وجه القارئ : إني لا أمارس التأويل و الإسقاط فكتابي كتاب في العلم لذلك يجب أن تصدق ما أقول، و كأن ذلك يكفي لكي يحمل القراء على محمل الجدّ الفكرة التي مؤداها أن أطروحات المؤلف علمية صرفة.
لقد أجهد نفسه لكي يقنعنـا بأنه يقـدم لنا حقائق علمية فسيطر الهاجس "العلمي" عليه و جعله يتورط في امتداح العمل الذي قدمه بشكل مباشر و بصورة لا يمكن إلا أن تثير لدى القارئ النفور. فمـا معنى أن يأتي أحدهم و يبحث في قضايا من قبيل الوحي والقرآن و النبوة و يقول بلهجة و ثوقية عن بحثه " و بعد فهذا الكتاب وما سيتبعه كتاب علمي و ليس بالدراسة الفلسفية"8، أليس الأفضـل فـي هـذه الحال التحلي بقدر من التواضع المعرفي والقبول بأن ما نقدمه إن هو إلا إجتهاد ممكن و تأويل من بين تأويلات عديدة أخرى.
في واقع الأمر لم يقدم لنا جعيط كتابا في العلم، كما أننا سوف نجد عناء أن نحن حاولنا البحث عن موضع لكتابه في قارة الفلسفة المترامية الأطراف، فمؤلفه أقرب ما يكون إلى هرمونوطيقا المقدس حيث ينصب البحث على تأويل الرموز التي يتضمنها النص الديني، مضافا إلى ذلك محاولة تسويق تلك التأويلات إلى جمهور القراء عبر إضفاء مسحة علمية عليها.
ولكن ما هو المنهج الفينمولوجي الذي يرى جعيط أن اعتماده يشرع لنا الزعم أن بحثنا علمي بإمتياز؟ يعرف لالاند الفينومنولوجيا في معناها العام بأنها " دراسة وصفية لمجموعة من الظواهر كما تتجلى لنا في الزمان أو المكان ، و ذلك في تعارض سواء مع القوانين المجردة و الثابتة المتحكمة بتلك الظواهر أو مع الوقائع الترنسدنتاليه التي تكون مظهرا لها أو مع النقد المعياري لمشروعيتها"،9 أما في معناها الخاص الذي يحيل على المنهج فإنها تعني ذلك " الجهد الذي يبذل لاستحضار ماهيات من خلال وقائع و أحداث عينية ، و تلك الماهيات يتم الحصول عليها مباشرة عن طريق الحدس و في علاقة بأمثلة مفردة ، تدرس بالتفصيل وبطريقة جد ملموسة"10 .
وقد مارس مفهوم الفينمنولوجيا حضوره في مجال الفلسفة خاصة مع انبلاج فجر الحداثة فاستعمله " لامبارت" لكي يشير من خلاله على المستوى الفلسفي إلى ما يظهر و يتجلى للتفكير، وقد تطور ذلك الإستعمال و أضحى يحيل لدى كانط على تقسيمه المعروف للعالم إلى "ظواهر" phénomènes  يمكننا معرفتها و "أشياء في ذاتها" noumènes لا نقدر على معرفتها.
واتسع مجال ذلك الإستعمال مع هيجل، ففي كتابه فينمولوجيا الروح نراه ينظر إلى الفينومنولوجيا بإعتبارها ذلك العلم الذي يدرس تمظهرات الوجود. غيرأن الفينومنولوجيا لن تصبح تيارا فلسفيا  و منهجا قائما بذاته إلا مع إدموند هوسرل ، وما يهمنا هنا هو المنهج الذي أرساه هوسرل و هو يقوم على فكره الإختزال أو " الرّد". و يتمثل شكله الأول في وضع العالم كله بين قوسين ، بمعنى التخلص من الأحكام السابقة و تعطيلها و تعليق الحكم بشأن وجود العالم.
و بالإضافة إلى هذا النوع من الإختزال هناك نوعان آخران و هما الاخترال الماهوى المتمثل في القطع مع كل ما هو خبري امبريقي لما يعطي لنا، حتى نقف على الماهية الكلية للظاهرة، وأخيرا الاختزال الفلسفي المتعالي المتمثل في إب

المزيد


لا لتطبيق الشريعة الإسلامية على الأسرة القبطية

يونيو 20th, 2009 كتبها يـامهدي يـاعمر لا بد من الانتصار نشر في , أدلجة الدين

 

لا لتطبيق الشريعة الإسلامية على الأسرة القبطية
 
مجدى خليل

magdi.khalil@yahoo.com
 
مناضلات من آجل حرية العقيدة فى مصر(2)
كاميليا لطفى: لا لتطبيق الشريعة الإسلامية على الأسرة القبطية
مجدى خليل
تشكل قضية اندرو وماريو وقضية القس متاؤس وهبة عنوانا لوضع الأقباط فى مصر. تعكس قضية اندروا وماريو وضع الأقباط تحت حكم الشريعة. فقانون الأحوال الشخصية للمسلمين ،ولغير المسلمين عند اختلاف المذهب أو الدين، يستند بشكل أساسى إلى احكام الشريعة الإسلامية وفقا للمذهب الحنفى، وهو قانون تصفه المحامية صفاء زكى مراد بأنه" قانون يميز ضد الإنسان،ضد الحقوق الأساسية للإنسان، وضد النساء بشكل عام"… وهذا ما نخشاه ونحذر منه باستمرار بأنه فى حالة تعميم قواعد الشريعة الإسلامية على كافة القوانين سنكون إزاء كارثة حقيقية على الدولة المدنية وعلى المسلمين قبل الأقباط فى مصر…. وهنا تكمن خطورة المادة الثانية فى الدستور المصرى، فهى مادة قنبلة إذا تم تفعيلها بشكل كامل.
أما قضية القس متاؤس وهبة فتعكس الجانب الآخر من الصورة… تعكس وضع الحريات الدينية فى مصر، فالأول مرة منذ مائتى عام يقتيد كاهن بملابسه الكهنوتية للسجن مباشرة من قاعة المحكمة بعد صدور حكم مشدد عليه بالحبس 5 سنوات بتهمة المشاركة فى تزوييج فتاة ببطاقة مزورة، وهو القس متاؤس وهبة من كنيسة السيدة العذراء بكرداسة بالجيزة. والقصة ببساطة أن فتاة تنصرت، ولإستحالة تغيير بطاقتها بعد التنصير قامت بتزوير بطاقة لكى تستطيع ان تتزوج،واعترفت إنها هى التى قامت بالتزوير بدون علم القس. وتحمل الكاهن مسئولية ذلك رغم أن دوره فقط كان التزوييج وليس التزوير.. ولكن الدولة من خلال هذا الحكم الظالم بعثت برسالة للكنيسة مفادها إنها على استعداد لعمل أى شئ فى سبيل ما تراه حفاظا على أمن الإسلام.

كاميليا لطفى سيدة مسيحية مصرية عادية تعمل مفتشة فى مصلحة الضرائب المصرية اوقعها حظها العاثر فى زوج أنانى مستهتر كل ما يعنيه هو تحقيق رغباته وشهواته ولو على حساب كل شئ، إلى هنا والقصة عاديةمشابهة لملايين القصص التى حدثت وتحدث فى العالم كله، ولكن مشكلتها إنها أمراة مسيحية فى دولة إسلامية أستغل زوجها هذا الوضع،فى مجتمع مهووس دينيا، لكى يحقق مصالحه بالتلاعب بكل شئ : الأديان، والأسرة، والقيم، والمسئوليات ، والعدالة، والفطرة الإنسانية.
لكى يكيد هذا الزوج بزوجته أشهر إسلامه عام 2000 وتزوج من أمراة مسلمة. فى عام 2004 عاد إلى المسيحية بشهادة موثقة من البطريركية دون أن يعلن ذلك رسميا أمام الدولة، ولكنه عاد بعد ذلك وتزوج مرة ثالثة من أمراة مسلمة وانجب منها.
لكى يكيد بزوجته السابقة السيدة

المزيد


تأملات في الدين والدولة

يونيو 20th, 2009 كتبها يـامهدي يـاعمر لا بد من الانتصار نشر في , أدلجة الدين

 

تأملات في الدين والدولة
 
 
 
سلامة كيلة

salamehkaileh@hotmail.com
 
العرب والغرب ومسألة العلمنة
السؤال  المثار هنا هو: هل أن الطابع الديني خاصية  في أوروبا، لهذا نشأت العلمانية فيها؟ الجانب المقابل هو: هل أن  للشرق خاصية أخرى. لا تفرض الحاجة إلى العلمانية؟ بمعنى هل أن الدين كان سلطة هناك. ولم يكن كذلك هنا؟ وبالتالي هل أن  الدين غير الدين؟ ألا يوجد أساس اتفاق بين كل الأديان. كونها  معبرة عن وعي بشري (أو حسب الفقهاء عن إرادة الله). يصيغ فيها تصوراته عن وضعه؟ سنتجاوز هنا مفهوم الخاص، لأنه سطحي و"ذاتي"، رغم أن الخاص لا يستقيم إلا بالعام  (في علاقة بالعام).
(1) بمقارنة النصوص، سنلاحظ أن الإنجيل لا يحتوي تشريعاً، بعكس التوراة والقرآن وهو يحتوي فقط على نواةٍ أخلاقية عامة، بينما نلاحظ أن القرآن (كما التوراة) نصاً تشريعياً إضافة إلى أنه عقيدة في ا لتوحيد، تتضمن نواةٍ أخلاقية أيضاً، وسنلاحظ أيضاً أن كل النصوص التشريعية ألحقت بـ "الإنجيل" سواء بإدخال التشريع الروماني في "المسيحية" التي غدت  أوسع من النص, أو عبر التفسيرات و"الاحكام" الكنسية اللاحقة، ورغم أن هذه أصبحت جزءاً من ا لنص، أصبحت كلها ما أسمى "المسيحية"، فأن التمييز ظل واضحاً بين ما هو إلهي وما هو بشري. على العكس من ذلك سنلاحظ أ، النص الإلهي تضمن العقيدة والتشريع (ولاشك في أن التفسيرات والاحكام اللاحقة التي أفتى بها الفقهاء، اعتبرت واقعياً جزءاً من النص أو حتى بديل النص). وفق ذلك يكون النص "القرآن" اكثر دنيوية، لكن في الوقت نفسه اكثر لاهوتية، وبالتالي فإن امكانية تأسيسه لسلطة دينية أعلى من المسيحية، لأن النص "دستور الدين والدنيا". كما أن الإسلام دين ودنيا، إنه بذلك أكثر شمولية من (الإنجيل)، وهذا يتبدى في أنه، حتى لو اسقطنا كل التفسيرات والاحكام اللاحقة، يبقى نصاً تشريعياً، يحدد "قوانين" الآليات الاقتصادية والاجتماعية، الفكرية والسياسية (الدولة).
وبالتالي فأن أية محاولة لتفسير جديد للنص ستكون مربكة أمام (الآيات ـ الأحكام). لقد كانت المسيحية منذ القرن  الثالث عقيدة (إيديولوجية) الإمبراطورية الرومانية (ومن ثم البيزنطية)، لكن القانون الذي  حكم الإمبراطورية هو "القانون الروماني"، الوضعي (وإن كان يعطي هالة إمبراطورية مقدسة). وإذا كانت الكنيسة في العصور الوسطى وسعت المسيحية لتشمل هذه القوانين (اضافة إلى التفسيرات اللاحقة) فقد كانت الدعوة إلى العودة إلى النص (الإنجيل) مشروعة، كما كان يجنبها كل الإرث التشريعي الملحق بالنص. لهذا فإن المسألة في الإسلام، في هذا المستوى أكثر تعقيداً وبالتالي كان يمكن في  المسيحية الهروب من مواجهة الله، أما في الإسلام فالمواجهة محتمة، لأنها تتعلق بالموقف من النص ذاته (آيات الاحكام).
(2) ولا شك في أن فارقاً  تاريخياً ميز بين المسيحية والإسلام كثيراً مايجري تجاهله حين التطرق إلى مسألة العلمانية، يتمثل في دور كل منهما. المنعكس في لحظة نشوء العلمانية. فقد ادى تفكك الإمبراطورية الرومانية الغربية  (وتحديد الغربية ضروري  هنا، لأن ماحدث هناك لم يكن يحدث في الإمبراطورية الشرقية، أي البيزنطية)، إلى تحول الإيديولوجيا إلى قوة مستقلة، مستندة إلى أساس اقتصادي (الاراضي الواسعة المملوكة للكنيسة)، لكنها الطامحة إلى إعادة انتاج الإمبراطورية، بمعنى إنها كانت عنصر توحيدي، في مواجهة عناصر التفكك، الممثلة بالامراء الإقطاعيين (الأسياد)، وحيث يسود الاقتصاد الطبيعي. وبالتالي كانت محاولات الاخضاع من قبل الكنيسة هي محاولة لاسترداد دورها التوحيدي (كإيديولوجية)، إذن لقد كانت على تضاد مع الامارات. وحملت حلم تجديد الإمبراطورية الرومانية. ولهذا يمكن القول بأن الكنيسة (المعبرة عن إيديولوجيا شمولية) كانت تصارع الدولة (الاشكال الدولية الهزيلة) على السلطة، في إطار  أكثر شمولية (الإمبراطوريات، بمعنى إنها كانت تزاحم الأمراء الاسياد) على سلطتهم وهنا كانت الإيديولوجية ضد السياسة. وهما المعبرتان عن ذات "الشيء"، أي من ذات الاساس الطبقي "الإقطاعي". أكثر من ذلك إن الإيديولوجية (المسيحية هنا) كانت أكثر انسجاماً مع مصلحة "الإقطاع"، من ا لإقطاعيين انفسهم (الامراء). لأنها تطرح المصلحة الإقطاعية في اطار إمبراطوري على الضد من التفتت الذي كان الامراء يكرسونه. في أوروبا  ا لقرون الوسطى كان الصراع هو هذا، أي بين سعي الامراء لاخضاع الكنيسة لسلطتهم وبالتالي تقزيم مطامحها في اطار الامارات, وسعي الكنيسة لاخضاع الامراء لسلطتها وبالتالي لعب دور مركز موّحد.
 إن عجز "الإقطاع" عن تكوين دولته المركزية (الإمبراطورية). إذن أعطى الإيديولوجيا/ الدين استقلالاً وعمق طابعها اللاهوتي، وفرض التمأس أي تشكل الكنيسة في صيغة تراتبية، ولنلاحظ هنا الشكل المعاكس في الإمبراطورية البيزنطية، ولنلاحظ أيضاً أن تحول تيار ديني إلى المعارضة فرض التمأسس عبر حركة منظمة تراتبية (الشيعة مثلاً) وفي كلا الحالين طغى اللاهوت، طغت العقيدة. ولأن الكنيسة في أوروبا القرون الوسطى عجزت عن فرض سلطتها باعادة تشكيل إمبراطورية هي إيديولوجية ما فوق القومة "الكوزموبوليتية" قامت العلاقة بينها  وبين السياسة (الأمراء/ الدويلات) على التناحر والتضمن. بسعي كل منهما إبتلاع الآخر، لكن انتصرت السياسة، لأن التكوين الاقتصادي الاجتماعي القائم على الإنتاج الطبيعي، والمستند إلى تكوين اجتماعي بدائي، كان عاجزاً عن أن يكون أساساً لإمبراطورية. وسبب ذلك لم يكن داخلياً فقط، لأن المعيل التوحيدي وتشكيل دولة مركزية (إمبراطورية) كان سيفضي إلى تشكيل سوق يسمح بالتطور)، بل كان نتيجة وجود قوة عالمية (الإمبراطورية العربية الإسلامية). ولأن التكوين قبلي بدائي، فقد أفضى إلى تشكل إمارات. وكانت كل الإمبراطوريات التي قامت في اوروبا (الفرنجة، الإمبراطورية الرومانية المقدسة…) عاجزة عن تشكيل إمبراطورية متطورة، ولقد كانت شكلاً من اشكال الإمبراطورية العثمانية لكنه شكل هزلي. ولا شك في أن الامراء استندوا  إلى الدين ذاته. كإيديولوجيا لإخضاع الأقنان، وبالتالي فقد تجددت المسألة في حين يكون السلطة، والمشروع الساعي لتكوينه. وهذا التداخل سمح للكنيسة التدخل، لأنها متضمنة في الإمارات، ولقد مارست انطلاقاً من إنها  الحاكم بأمر الله، وكان تدخلها شمولياً، فطالت الفلسفة والعلم، وكانت محاكم التفتيش صيغتها الأفظع. وحين تطورت الدول تعمق التحالف بين ا لإقطاع والكنيسة، التي اصبحت المدافع عن الممالك الإقطاعية رغم التنازع بينهما، الذي خفت حدته، منذ بدء عصر النهضة، في مواجهة القوة الجديدة، (جمهوريات المدن، ومن ثم البرجوازية)، خصوصاً بعد تراجع حلم إعادة تشكيل الإمبراطورية الرومانية، والميل لتشكل الدولة القومية.
(1) في الإسلام تحدد مسبقاً خضوع الإيديولوجيا للسياسة. لكن السياسة التي تنفذ الإيديولوجيا ذاتها، بمعنى أنهما (السياسة والإيديولوجيا) كانا تعبيرين لأساس واحد، بمعنى آخر كان الإسلام بالأساس حركة اجتماعية سياسية. ليصبح القرآن دستور اجتماعي ـ سياسي، قامت الدولة على تطبيقه، لهذا كان رجال الدين عنصر مكمل، يعمل على نشر الإيديولوجيا التي هي إيديولوجيا السلطة. والمطبق القانوني للنصوص المقدسة. وبهذا كانت الدولة هي عنصر السياسة المتحد مع الإيديولوجيا (بغض النظر عن اختلافات الرأي بين  الفقهاء، خارج الفقه السياسي). وبالتالي فقد كان الفقهاء هم مثقفو السلطة العضويون، خاضعون للتكوين الدولتي والمتمأسسون عبره، حيث الخليفة هو ولي الأمر و"المدافع عن الدين". والشريعة  هي الدستور والقانون. وجهاز الدولة هو السلطة، المكوّن من الكتاب والقضاة (وهم الفقهاء) والمؤذنين والأئمة، (يمكن المقارنة هنا مع وضع الكنيسة في الإمبراطورية البيزنطية). بمعنى أن "الجهاز" الديني هو السلطة، فالخليفة هو خليفة رسول الله (أو خليفة الله)، مطبق الشريعة (بغض النظر عن مواقف بعض الاتجاهات الدينية المعارضة، مثل المعتزلة، الشيعة، الاسماعيلية…).
 وبالتالي فإذا كانت المسيحية إيديولوجية إمبراطورية  ذات قانون وضعي (الإمبراطورية الرومانية البيزنطية) وكانت في تنافس مع السياسة (امراء الامارات)، في القرون الوسطى، وحليف الإقطاع في عصر النهضة، فإن الإسلام كان إيديولوجياً وشريعة وسلطة معاً في الإمبراطورية العربية الإسلامية، وفي كل الأشكال الدولتية والإمبراطورية اللاحقة، والمؤسسة على انقاض الإمبراطورية العربية الإسلامية (البويهيون، السلاجقة، المماليك… ثم الإمبراطورية العثمانية). لكن في كل الأحوال كانت القيم والافكار والاخلاق نابعة من الدين في أوروبا كما في  الشرق. وكانت الثقافة مستمدة من النص، وخاضعة لسلطة  الفقهاء/ الكنيسة. كما خضعت الفلسفة للدين، وتنازع العقل والنقل، في إطار هذه الثقافة. بمعنى أن سلطة الله كانت مهيمنة هنا.
(1) مايهمنا هنا هو سلطة الدين الدنيوية، لهذا نلاحظ أنه في أوروبا كما في الشرق، كان النص هو المهيمن في الثقافة كما في السياسة. بغض النظر عن الشكل "المؤسسي"، فالمشكلة لمتكن مشكلة “المؤسسة، بل كانت مشكلة النص، وكما أوضحنا فإن شكل “المؤسسة” خاضع للظرف الموضوعي، لهذا نلاحظ تقارباً في “الشكل المؤسسي” بين "الإسلام السني" و "المسيحية الاورثوذكسة". لان كليهما  كانا مندمجين في السلطة (الإمبراطورية العربية الإسلامية والإمبراطورية البيزنطية). كذلك نلاحظ تقارباً في "الشكل المؤسسي" بين "الكنيسة الغربية" (الكاثوليكية)، و"الإسلام الشيعي"، لأن كليهما مثلاً صيغة معارضة، وإن كانت هناك اختلافات بينهما (المعارضة في بنية مفتتة ـ دويلات ـ  والمعارضة في دولة مركزية)، فالشكل المؤسسي، ليس هو إذن اساس نشوء العلمانية. بل أن هيمنة النص الشمولية  هي التي دفعت إلى التحرر منه. وبالتالي "سحب" العقل من تحت هيمنة النص، لكي ينطلق، يحفر في التاريخ والواقع. في العلم والفلسفة. بمعنى أن هذه الهيمنة دفعت إلى الفصل بين الدين والدنيا، ما هو ديني عقيدي وما هو دنيوي. وإذا كان ذلك سهلاً فيما يتعلق  بالمسيحية، لأن النص عقيدياً، وخالٍ من التشريع، فإن المسألة أصعب بالنسبة للإسلام لأن النص عقيدة وشريعة (دين ودنيا). إن العلمانية ليست نتاج "مؤسسة دينية" حاكمة، بل نتاج هيمنة النص. هيمنة المقدس على "المدنس". المقدس على الدنيوي الهيمنة التي تعيد كل الثقافة، والحقوق  والأخلاق والاقتصاد والسياسة إلى نص مقدس. وهدفت إلى إعادة الاعتبار إلى الطابع ا لنسبي (وبالتالي التاريخي) للعقل البشري. والمسألة تكمن بالأساس في نزع الخلط بين العقيدي (الجانب الالهي) والواقعي (التشريعي ـ السياسي، الثقافي) باعادة الاعتبار إلى البشر أنفسهم، وإعادة الدين إلى إطاره العقيدي. واعتبار أن ا لتشريع ـ السياسة (وبالتالي الدولة) والثقافة (الفلسفة..) قضايا تاريخية. وقد تحقق ذلك. في اوروبا عبر نفي النفي (تضاد عقل / نقل)، (عقل / نص مقدس)، حيث يميل الدين إلى أن يكون عقيدة خاصة  بالفرد (يفقد طابعه المهيمن)، وتأكيد "حياد" ا لدولة تجاهها، وبالتالي فالعلمانية هدف سياسي، يتمثل في فصل الدين  عن السياسة والدولة، دون تحريمه، لأن ذلك هو الذي يعطي الصيرورة  الواقعية في هذا الوقت حركتيها الضرورية، لأنه يدخل دور العقل (في العلم والفكر) في هذه الصيرورة، في صيغة جديدة، يفرضها النمط الحديث.
(5) حين حاور محمد عبده رينان حول العلمانية، انطلق من أن لا كنيسة في الإسلام. وبالتالي فإن دواعي العلمانية في الشرق منتفاة، لكنه دعا إلى العودة إلى الاصول، وتطبيق الشريعة. دون أن يرى تعارضاً بين المسألتين. رغم تناقضهما (وكان اختلافه مع الكواكبي يتمثل بالتحديد في رفضه فصل الدين عن الدولة. وهي دعوة الكواكبي). إن حصر المشكلة في الطابع المؤسسي للكنيسة، يعد تمسكاً بشكل محدد، وتجاهل جوهر المسألة، التي هي هيمنة الدين، كون ا لدين هو الذي يحكم الدنيوي، بغض النظر عن الشكل، وإذا كان محمد عبده قد أعلى من شأن العقل على الضد من ا لتقليد، فقد فعل ذلك في اطار الدين (النص) ذاته. وهو هنا يعيد طرح مسألة العلاقة بين العقل والنقل، رافضاً سلطة النقل كسلطة وحيدة، وبالتالي فهو يعني طرح الاشكالية القديمة، دون أن يتجاوزها، ولاشك في إن  تجاوزها كان يفترض العلمانية، بحيث تكون العقيدة معتقداً خاصاً (ولنقل سلطة النقل). والعقل مقياس وعي الواقع دون سلطة مسبقة، أي دون سلطة النقل. وهذا يعني تجاوز ا لدعوة إلى "العودة  إلى الاصول". أي العودة إلى الإسلام كشريعة وسلطة  في مرحلة إزدهاره. فهو يدعو إلى "اعادة" تشكيل الإمبراطورية القديمة، وبالتالي على أساس الدين، الدين العقيدة والشريعة، لكن مع فتح باب الاجتهاد. لكي يكون ممكناً اصدار فتاوي في المشكلات الراهنة، انطلاقاً من النص. أي باعادة تحكيم النص بالواقع. ولتبقى السلطة (الاقتصادية/ الاجتماعية والفكرية/السياسية) له. أليس ذلك "حكماً دينياً"؟ العلمانية هي فعل للخروج من هذه "العبارة" بالتحديد، سواء فيما يتعلق بالثقافة (الفكر عموماً)، أو فيما يتعلق بالتشريع, وفتاوى الامام تؤكد سلطة النص.
 العلمانية هي، إذن نزع لسلطة. دون نزع النص، وبالتالي الاقرار بحرية الفكر، وبوضعية القوانين، ودنيوية السلطة (الدولة). وبالتالي فإن الإمام يدعو إلى اعادة البنية السابقة. مع تكييفها (دون تجاوزها) مع مستجدات العصر ( هذا هو بالتحديد وضع ايران والسودان..) إذن فهي دعوة منافية للحداثة، للنهضة، وللتقدم، فالعلمانية جزء من بنية حديثة تبدأ بتحرر الفكر من سلطة النص، وتطال التكوين الاقتصادي/الاجتماعي والنظام السياسي، إنها تكوين دنيوي بدون سلطة القداسة، ولا شك في أن النظر  الشكلي للعلمانية كان يهدف إلى "تغطية" البنية القديمة، والتمويه على طبيعة هذه البنية، والفارق بين الامام، وكل من الكواكبي وعلي عبد الرازق هو أن هذين التنويريين الكبيرين، قالا بارادة البشر ودورهم الفاعل لكي يصلا إلى فصل الدين عن الدولة. وإذا كان علي عبد الرازق قال بأن لا سلطة دينية في الإسلام (وهو هنا يتفق والامام) فلكي يقول بهذا الفصل تحديداً، عكس الامام.
إذن المشكلة في الشرق كما كانت في اوروبا وإن اختلفت اشكال السلطة الدينية، وما تفعله الحركات الاصولية.  ما هو إلا تكرار (بصيغة افظع) لمحاكم التفتيش. ولا شك في أن نشاطها يطرح موضوع العلمانية بشكل أكثر حدة، ويجعله قضية راهنة.
(11) العلمنة اليوم
 هناك ثلاث مستويات. يجب التمييز فيما بينها هي: مستوى الفكر. ومستوى النظام. ومستوى الوعي الشعبي في مستوى الفكر، اعتقد أن عصر النهضة شهد حركة تنوير ديني مع الكواكبي (وقبله الطهطاوي) ومن ثم علي عبد الرازق مروراً بالزهراوي. وهؤلاء من "المؤسسة" أي رجال دين، واذا كان  لأن تكييف الدين مع التطور، يجب أن ينطلق من داخل "المؤسسة" وإذا كان الطهطاوي سعى لاضفاء مشرعية دينية على النمط ا لحديث (سياسة محمد علي في التصنيع والتحديث بما فيه التعليم, اعتبار الديمقراطية المدنية بمثابة الشورى). فإن الكواكبي انطلق  من النقطة المركزية الا وهي "فصل الدين عن الدولة وبالتالي عن السياسية"، وهو ما اكمله علي عبد الرازق بالعودة إلى اعطاء اساس "شرعي" على هذه المسألة. من خلال التأكيد على رفض الخلافة. واعتبار السياسة (بما فيه الدولة) فعل دنيوي، وهما هنا ينفيان "الاحكام السلطانية" وإذا كانت الاتجاهات الفكرية الأخرى (الاشتراكية، والديمقراطية) قد تغلغلت في ذات الفترة (ربما استناداً إلى الطهطاوي/ علي مبارك)، فقد أفضت حركة التنوير هذه إلى توسعهما  رغم المعارضة المحافظة التي أثيرت ضدهما (الكواكبي، علي عبد الرازق)، لتطبعا الثقافة والفكرة وهذه مسألة هامة، رغم أن حركة التنوير لم تفض إلى مسألة اساسية بخصوص ا لدين، ألا وهي اعادة تفسير النص، وربما كان ذلك سبباً في عودة الحركة الاصولية، حيث لم تتحول حركة التنوير هذه إلى اتجاه ديني "مؤسسة"، رغم تأثيرها الواقعي الذي ظهر في المستوى الثاني.
في مستوى النظام: إن التطورات أوضحت أن التكوين العام للمجتمع غلب عليه الطابع العلماني، حيث الحقوق (والدستور) من وضع البشر، رغم صلته بالشريعة، سواء كمصدر من مصادره، أو فيما يتعلق بالاحوال الشخصية، والتعليم حديث. وبالاساس الدولة دنيوية، اضافة إلى تشرب القيم الحديثة، واشكال التعبير الحديثة (رواية، القصة، العلوم الإنسانية والطبيعية….)، إذن نحن هنا أمام تكوين حديث اختلط بصيغ معينة والشريعة، لكنه هو المسيطر، لهذا نلاحظ أن هدف الحركة الاصول

المزيد


بين أنوار الإسلام و روح الأنوار

يونيو 20th, 2009 كتبها يـامهدي يـاعمر لا بد من الانتصار نشر في , أدلجة الدين

 

بين أنوار الإسلام و روح الأنوار
أو في الفرق بين الخلاص والحرّيّة
 
العادل خضر
 
إذا كان النّور اسما من أسماء الله الحسنى "اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (سورة النّور، الآية 35) فإنّ هذا النّور قد اتّخذ في القرآن ذاته والحديث النّبويّ وبعض التّجارب الدّينيّة صفات عديدة. فهو:
* كتاب يهدي. فالهُدى نور، والهُدى في القرآن الكريم هو "ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ" (البقرة، الآية2). وقد جاء في تفسير هذه الآية عند الطّبري ما يلي: " فإن قال لنا قائل: أوَ ما كتابُ الله نورًا إلاّ للمتّقين، ولا رَشادًا إلاّ للمؤمنين؟ قيل: ذلك كما وصفه رّبنا عزّ وجلّ. ولو كان نورًا لغير المتقين، ورشادًا لغير المؤمنين، لم يخصُصِ الله عزّ وجلّ المتّقين بأنّه لهم هدًى، بل كان يعُمّ به جميع المنذَرين. ولكنّه هدًى للمتّقين، وشفاءٌ لما في صدور المؤمنين، وَوَقْرٌ في آذان المكذّبين، وعمىً لأبصار الجاحدين، وحجةٌ لله بالغةٌ على الكافرين. فالمؤمن به مُهتدٍ، والكافر به محجوجٌ "
* وهو نور يُقذف في الصّدر. وقد جاء في بعض الحديث " ولهذا سئل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، على [الشرح] ومعناه في قوله تعالى: " فمن يرد الله أن يهديهُ يشرح صدرهُ للإسلام " قال: " هو نور يقذفهُ الله تعالى في القلبِ. فقيل: وما علامته؟ قال: التّجافي عن دار الغُرُورِ، والإنابة إلى دارِ الخُلُود"
* وهو أيضا دواء وشفاء. ففي كتاب "المنقذ من الضّلال" كان النّور شفاء. يتحدّث أبو حامد الغزالي عن شفائه بهذا النّور من حيرته : "(…) فلمّا خطر لي هذه الخواطر، وانقدحت في النّفس حاولت لذلك علاجاً فلم يتيسّر، إذ لم يكن دفعه إلا بالدّليل،(…) فأعضل الدّاء، ودام قريباً من شهرين، (…) حتّى شفى الله تعالى من ذلك المرض، وعادت النّفس إلى الصّحّة والاعتدال، ورجعت الضّروريّات العقليّة مقبولة موثوقاً بها على أمن ويقين (…)".
مهما تكن صور النّور الّتي وردت في القرآن والحديث وتجارب الدّين المختلفة فإنّها تحيل جميعا على صفة مخصوصة للذّات الإلهيّة هي صفة الإله المنقذ المنجّي المخلّص. وهي لمن أشدّ الأخيلة imaginations المكوّنة للحياة الدّينيّة اطّرادا ورسوخا. فجميع الدّعوات في كلّ الصّلوات تتّجه إلى الله بوصفه ذاك الّذي ينجّي من مِحن الحياة وقلق الموت. ولكن لمّا كان الله لا يُنجّي إلاّ إذا توفّرت بعض الشّروط كأن يسع ملكوته العالم بأسره فإنّ صورة المنجّي (الإلهي) قد اختلطت بالتّجارب الإنسانيّة المتمثّلة في الحماية والرّعاية والحكم. من ذلك أنّ صورة المسيح الشّائعة قد اتّخذت هيئة الرّاعي الطّيّب. وخلال التّاريخ الدّيني الطّويل اضطلعت الآلهة ببعض المسؤوليّات باشرت فيها سلطانها إمّا بالسّيطرة على عنصر من عناصر الطّبيعة كالبحر والنّهر والرّيح والغابة والقمح… أو بالسّيادة الكونيّة على العالم المخلوق. وفي جميع الأحوال مهما تكن الصّور الّتي تجلّى فيها الله فإنّها تظلّ في معظم الثّقافات الإنسانيّة مجرّد تمثيلات أرضيّة أسقطت projeter على السّماء. يكفي للبرهنة على ذلك أنّ الآلهة الإفريقيّة قد كانت سوداء الجلدة، أمّا الآلهة الآسيويّة فقد كانت عيونها مشدودة الأطراف على غرار بوذا.
وباكتشاف إواليات الإسقاط يكون النّقد الدّيني قد قدّم لحركة الأنوار سلاحا ناجعا. وهو نقد لم يعتن بطرح السّؤال المتعلّق بـ"وجود الله" (هل الله موجود أم لا؟)، مادام اهتمامه قد انحصر في الحدود الّتي رسمها السّؤال الكانطي "ما الّذي يمكنني معرفته؟" أضف إلى ذلك أنّه نَقد قد كان محكوما منذ القرن18 باستراتيجيّة انقلابيّة عرفت باسم "نظريّة الخديعة الإكليريكيّةthéorie de l’imposture cléricale". ومعها أصبحت حركة الأنوار تنظر إلى الأديان وتعالجها من منظور أدواتيّ، بطرح أسئلة من قبيل: من يخدم الدّين؟ وما هي الوظائف الّتي يؤدّيها (الدّين) في حياة المجتمع؟ ولم يكن العثور على الجواب عسيرا. فقد كان مجرّد الاطّلاع على ألف سنة من السّياسة الدّينيّة كافيا حتّى نقرأ الجواب في آثار دم العنف الدّينيّ.
ولكن المهمّ في هذا التّصوّر الأدواتيّ أنّنا نجد نصوصا تتساءل عن جدوى الدّين ونفعه؟ ولأيّ شيء يصلح؟ وهي أيضا تقترح بعض الأجوبة منها أنّه يصلح:
1 ـ للتّغلّب على مخاوف الحياة. و2 ـ لتسويغ الأنظمة الاجتماعيّة القمعيّة الّتي تستخدم الدّين وسيلة للهيمنة السّياسيّة. ومعنى ذلك أنّ هذا التّصوّر يسند نشأة الأديان إلى عجز الإنسان الأصليّ عن الخلاص من محنه (وهو عجز يمثّل دائما شرطا لوجود إسقاط هو إسقاط المنقذ projection du secoureur) (1).
يسمّي فيلسوف الأنوار إيمانويل كانط هذا العجز قصورا Minorité. يقول في تعريف الأنوار:
"ما هو (عصر) الأنوار؟ هو خروج الإنسان من حالة القصور الّتي هو نفسه مسؤول عنها. و(هذا) القصور، أي العجز عن استخدام الذّهن (القدرة على التّفكير) دون توجيه من الغير، إنّما هو قصور يتحمّل بنفسه مسؤوليته لأنّ العلّة لا تكمن في عيب في الذّهن، وإنّما في عجز عن اتّخاذ القرار وخذلان في استعمال (الذّهن) دون توجيه من الغير. Sapere aude ! (فلتتجاسر على التّفكير) ولتكن شجاعا في استعمال ذهنك الخاصّ بك. ذلك هو شعار الأنوار"(2).
****
يعلّق ميشال فوكو على هذه الفقرة بإسهاب (3) مبيّنا أنّ حالة القصور هذه لا ينبغي أن تلتبس: 1 ـ بحالة العجز الطّبيعيّة مثل الطّفولة البشريّة الّتي لم تكتسب وسائل استقلالها وإمكاناته، لأنّ النّاس قادرون على أن يقودوا أنفسهم بأنفسهم.
2 ـ أو بمفهوم قانونيّ أو سياسيّ قانونيّ يستند إلى أنّ النّاس يوجدون في الحالة الرّاهنة إمّا محرومين من الممارسة الشّرعيّة لحقوقهم بسبب بعض الظّروف وإمّا لأنّهم تخلّوا عن

المزيد


التالي



على أنه لا ينبغي أن يغرب عن بالنا أن أفضل مدرسة للإطارات وأحسن طريق لتدريب المناضلين على الكفاح والتضحية في سبيل الشعب، هو في العمل اليومي الذي يباشره المناضلون حتى في أداء المهام البسيطة. إن على كل مناضل منا بوصفه مواطنا أن يؤدي العمل المنوط به بمنتهى الكفاءة والضمير المهني. فإن كان عاملا ميكانيكيا أو طبيبا أو ممرضا وجب عليه أن يتقن عمله خير إتقان. وان كان مرشدا أو مهندسا فلاحيا وجب أن يهيئ نفسه ليكون ركيزة الإصلاح الزراعي، وان كان أستاذا أو معلما وجب عليه أن يكون متضلعا في الأساليب البيداغوجية الطليعية. علينا أن نكون خميرة المجتمع التقدمي المزدهر الجديد الذي ننشده في غدنا القريب.