كتبهايـامهدي يـاعمر لا بد من الانتصار ، في 24 سبتمبر 2009
الساعة: 15:14 م
هل حقا اختفت الطبقة الوسطى ؟
ميشيل كيلو
يكرر كثير من المفكرين والاختصاصيين العرب ، من ذوي التاريخ الماركسي أو القومي ،أطروحة ترى أن الطبقة الوسطى العربية اختفت أوهي في طريقها إلى الاختفاء ، نتيجةتحولات اجتماعية وسياسية وثقافية عرفتها معظم البلدان العربية خلال نصف القرنالمنصرم ، بل إن عالم اقتصاد مرموق كالأستاذ رمزي ذكي أصدر كتابا حول هذا الموضوعوضع له عنوانا صارخا هو : وداعا للطبقة الوسطى .
ومع أن معظم من يتحدثون عناختفاء الطبقة الوسطى ، أو حتى عن تبدل أو تقهقر دورها هم من المنتسبين النشطينإليها ، فإنهم يفسرون بما حدث لها تقهقر وتراجع العرب في الحقبة القريبة الماضية ،ويتجاهلون أن تشخيصهم يقفز عن حقيقة جوهرية هي أن اختفاء الطبقة الوسطى من شأنه أنيفضي إلى اختفاء المجتمع ذاته ، لما لها من وزن عددي فيه ، ولأنها الطبقة الأكثرعلما ومعرفة وعملا وحراكا بين طبقاته ، أقله في بلداننا ومجتمعاتنا ، التي لم تعرفثورة صناعية ، ولم تنقسم إلى برجوازية فوق وعمال تحت ، وإنما اكتفت ببلورة بروزصغير ثري في جانب منها ، وكم بشري فقير هائل العدد في الجانب الآخر ، بينهما ‘طبقةوسطى’ تتألف من مراتب وفئات متنوعة ، تضم عددا كبيرا من فقراء هذا الكم البشريالهائل ، منه على سبيل المثال لا الحصر الفلاحون الفقراء والمتوسطون وشرائح مدينيةكثيرة، فيها كل من لا يستمد دخله من مصادر تتصل برأس المال أو بالعمل المأجور فيالصناعة ، فهي إذن النسبة الأكبر من الشعب ، حتى أن بعض الدارسين والخبراء يعتقدونأنها تشكل حوالي70′ / 80′ من المجتمع السوري، إن نحن أخذناه كمثال .
لم تختفالطبقة الوسطى ، وليس بوسعنا أن نقول لها وداعا ، وإن كانت قد عرفت تحولات مهمةخلال الحقبة التالية للاستقلال وتكون الدول ‘ الوطنية ‘ أفضل وصفها بالمحلية - ، فيأعقاب الحرب العالمية الثانية . وإذن ، فإن من الأجدى البحث في هذه التحولات ، عوضالبكاء على زوال طبقة يعادل اختفاؤها اختفاء المجتمع ، وهو أمر لم يحدث بعد ، مع أنالمجتمع العربي تعرض بدوره ، خلال الفترة ذاتها ، لتطورات بدلت طابعه تبديلا شديدا، من الضروري أن تكون محل دراسة وتدقيق ، وإلا استحال خروجنا مما نحن فيه من احتجاز، وشق طريقنا إلى خارج النفق ، الذي نتخبط فيه .
في نصف القرن الماضي ، شهدتالطبقة الوسطى تبدلات مهمة غيرت موقعها من الدولة والمجتمع : سياسيا واقتصادياوثقافيا
سياسيا : ما أن وصل العسكر إلى الحكم في بعض الدول العربية ، بعدهزيمة فلسطين الأولى ، حتى قرروا إخراج الطبقة الوسطى من السياسة ، لاعتقادهم أنذلك سيكفل استقرار واستمرار نظامهم ، الذي تهدده أنشطة هذه الطبقة دون غيرها ، مادامت البرجوازية والطبقة العاملة لا تملكان الوزن والحضور السياسي اللازمين لتهديده، وتفتقران إلى برنامج يمكن أن يستقطب فئات وشرائح كبيرة من المجتمع ، يستطيعانبمعونتها قلب الأوضاع القائمة أو ممارسة ضغط فعال عليها . بما أن الطبقة الوسطىتمثلت ، في حقبة ما قبل العسكر ، في أحزاب سياسية متنوعة البرامج والأهداف ، فإنهؤلاء عملوا على خطوط ثلاثة متداخلة : احتواؤها وربطها بهم من جهة ، أو ملاحقتهاوقمعها من جهة ثانية ، وأخيرا إبقاء جمهورها العريض ، غير المنخرط في الحياةالسياسية ، بمنأى عن الشأن العام ، كي لا يبدل انخراطه فيه معادلات السلطة والدولة، ويشكل خطرا جديا بالنسبة إلى الأمر القائم . هذه الخطوط الثلاثة تقاطعت عند مسألةجوهرية هي الحيلولة بين المثقفين ، باعتبارهم خطأ أم صوابا - ضمير الطبقة الوسطى ،وبين بلورة مشاريع أو خطط تغريها باستعادة الانهماك في الشأن العام ، وتحديدا منهالشأن السياسي ، من خلال تزويدها ببرامج من خارج ما هو سائد ، تستخدم لغة وأفكاراغير تلك المستعملة في المجال الأيديولوجي الرسمي ، يمكن أن يؤدي استخدامها إلىاضطراب معادلاته ، وخلق جو إن تطور تحول إلى حاضنة تغيير يبدل علاقات وتوازناتالداخل ، سواء منها علاقات وتوازنات السلطة والمجتمع ، أم علاقات وتوازنات السلطة . بقول آخر : إن ‘إسكات ‘المثقفين ومنعهم من ممارسة التفكير والنشاط بدلالات مجتمعية، أو سياسية هو أحد مفاتيح استقرار الأمر القائم ، وسبيل من سبل إبقاء الطبقةالوسطى خارج السياسة كفاعلية مباشرة هدفها تغيير الشأن العام الكلي أو ممارسة تأثيرمقرر فيه .
اقتصاديا : عوض العسكر الطبقة الوسطى ، أو بالأصح شرائحها العليا ،في الاقتصاد عن ما خسرته في السياسة ، ومنحوها دورا اقتصاديا أتاح لها المشاركة فينهب المجتمع ، وفتح أمامها سبل الثراء على حساب أغلبيته العاملة والفقيرة . حدث هذامن خلال وضع موارد الدولة في متناول شرائح من هذه الطبقة ، كفلت ربطها بالنظاموعززت استقراره ، وحالت بينها وبين الانحياز إلى المجتمع ، الذي حرم بذلك منخبراتها وأدوارها . هذا الدور الاقتصادي ، الطفيلي أساسا ، صار شكل حضور الطبقةالوسطى في الحياة العامة ، وبديل دورها السياسي الممنوع ، فمن غير المنطقي أن يقال : وداعا للطبقة الوسطى ، ما دامت تلعب دورا اقتصاديا جديدا ومهما ، له آثار خطيرةعلى الصعيدين الاجتماعي والسياسي ، لم تكن تلعبه في الماضي ، حين كان ‘النظامالقديم ‘موزعا بين أثرياء المال والأرض ، الذي أسمته الرطانة التقدمية الشيوعيةوالقومية - نظام ‘البرجوازية والإقطاع ‘. إذا كانت الطبقة الوسطى قد خسرت دورهاالسياسي مع العسكر ، الذين اعتبروا وجودها في حقل السياسة مصدر الخطر الوحيد عليهم، فإنها استعادت جزءا ، غير مباشر غالبا ، من هذا الدور ، عبر مغانم اقتصادية حصلتعليها ، مع ملاحظة أن هذا الجزء يتعين بدلالة النظام ومصالحه ، فلا يجوز أن يكونمستقلا ، حتى بمعنى نسبي عنها ، ويجب أن يبقى تابعا وجزئيا . في مقابل الافتراقالسياسي ، قامت وحدة حال حقيقية وفعالة بين شرائح عليا متنوعة من الطبقة الوسطىوبين النظام السائد ، أرضيتها مشتركات اقتصادية تلبي حاجته إلى الاستقرار السياسيوحاجتها إلى الثروة ، ومن البديهي أن هذه ما كان يمكن أن تلبي في إطار المصالحالحقيقية للدولة والمجتمع وللشعب العامل والمحروم . بكلام آخر : إذا كان خروجالطبقة الوسطى من السياسة يمثل شرطا لازما لاستقرار النظام ، فإن دخولها إلى المجالالعام من بوابة الاقتصاد هو شرطه الثاني ، ما دام يتم ويتعين تحت إشراف النظاموبفضله . هذا الدور يشعر الطبقة الوسطى أنها لم تفقد شيئا يستحق العراك مع النظام ،وأنها كسبت مكانا في السلطة ، تأمل أن توسعه وتحوله من مكان هامشي إلى موقع مقرر ،بقدر ما تتزايد ثروتها ويتعاظم وجودها لاقتصادي وثقلها الطبقي داخل نظام صار بدورهضروريا لاستمرارها وإضفاء الشرعية على ثرواتها ، غير الشرعية في أغلب الحالات .
ثقافيا : هذا مجال واسع جدا ، سيكون من الصعب التحدث فيه تفصيليا في هذهالعجالة . باختصار : مع انطفاء الرغبة في الاحتجاج ، وتلاشي القدرة عليه لدى ‘البرجوازية’ والعمال ، والشرائح العليا والمتوسطة من الطبقة الوسطى ، وبإغلاق سبلالتواصل السياسي بين المواطنين عامة ، يلعب المثقفون دورهم بالنيابة عن مجتمع غائبلم يفوضهم التحدث باسمه ، مع أنهم سعوا إلى ذلك ، أو توهموه . بذلك ، بدا نشاطهموكأنه خروج على السائد ، وعبرت إبداعاتهم ، أكانت أدبية أم فكرية أم سياسية ، عنهذا الخروج ‘ الاحتجاجي أو الثوري ‘ ، لأن مجرد وجودها كان يعني انتهاك محرماتوتخطي خطوط السياسات الرسمية الحمراء ، التي لطالما رأت في الدعاية للنظام وفيتعميم أيديولوجيته ، التي تزايد فقرها واكتسبت طابعا شعاراتيا / شعبويا تعاظم منيوم لآخر ، بديلا للثقافة ولما تحمله وتضمره من حيوية مجتمعية لطالما اعتقد النظامأنه أخمدها ، وأن كبتها والتخلص منها ضروري بأي ثمن ، وفي جميع الظروف والأحوال . الثقافة هي ، في حالتنا العربية ، طائر ضليل يغرد خارج سرب الأمر القائم ، وتتمردبحكم طبيعتها ذاتها على قوانينه ، وتتذمر من حساباته أو تناهضها ، بينما تمارسالصعلكة والتحدي والدونكيشوتية رغم ضعفها وانقطاع صلاتها بالمجتمع الواسع وتعرضهارموزها للإهمال أو للاضطهاد ، وتشويه سمعتها وعزوها إلى أعداء يعملون لزعزعةالاستقرار تارة ، وموتورين يقوضون أمن المجتمع ويخربون علاقة النظام مع شعبهالراضي، الذي يعبر عن رضاه بصمته . المثقفون هم أصل الداء وسبب البلاء ، فلا بد منإبقائهم تحت العين وفي متناول اليد ، ولا تهاون في قطع أية روابط قد تقوم بينهموبين الشعب ، أو بينهم وبين هذا القطاع أو ذاك من قطاعاته ، وإلا اختلت الموازينوفتحت من جديد الصفحة ، التي تم طيها قبل نصف قرن .
هل يمكن الحديث هنا عناختفاء الطبقة الوسطى ؟. أعتقد أنه سيكون من الخطأ تأكيد هذا الاختفاء ، فالطبقةالوسطى ، كما تتمثل في مثقفيها ، هي الفاعل الغائب ، لكنه المرشح دوما للحضور ، عقبواحدة من أزمات النظام الكثيرة ، أو خلال واحدة منها . إنها القوة ، التي يراهنالمثقفون على إحيائها واستنهاضها وإعادتها إلى المجال السياسي ، لاعتقادهم الصائبأنها قوة تغيير وعدالة وحرية .
ليس القول باختفاء الطبقة الوسطى صحيحا ، وإلاكنا كمن يقول باختفاء المجتمع . ومن الضروري ، بدل توجيه تهمة غير صحيحة إلى النظمتحملها مسؤولية اختفاء هذه الطبقة ، أن يتلمس المثقفون سبلا وأفكارا من شأنهاإعادتها إلى دورها المأمول ، الذي يتوقف عليه ، دون أي شك ، مصيرنا الفردي والجماعي .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات :
مقالات متنوعة |
أرسل الإدراج
|
دوّن الإدراج