
ولكن ذلك بدوره يثير الأسئلة عن الحزب ودوره, إذا ما أخذنا بالاعتبار أن هدف كل حزب هو الوصول للسلطة لتحقيق برنامجه. ومن بين هذه الأسئلة:
- الى أي مدى نجح الحزب في تحقيق برامجه؟
- هل مهمة الحزب تحليل الواقع فقط، أم الانتقال بهذا التحليل للتأثير في الواقع باتجاه تغييره كما يقول ماركس؟
- هل الحزب مؤسسة بحثية تقدم الدراسات والتقارير الدورية( مركز أبحاث) عن الأوضاع، أم مؤسسة سياسية تلعب الدور الريادي في المجتمع؟
- هل نجحت مؤتمرات الحزبفي الارتقاء بدوره على الصُعد السياسية والاجتماعية والفكرية؟
- ما الذي حققه الحزب على طريق تحرير الماركسية من الجمود, وتطوير المنهج الماركسي الذي تم اعتماده بوضوح لأجل التصدي للمستجدات المعاصرة؟
- هل كان المؤتمر الخامس للحزب(1993) انعطافة نوعية، وهل استمرت وتطورت عملية الديمقراطيةوالتجديد التي أطلقها الحزب في مؤتمره الخامس - في المؤتمرات اللاحقة( السادس والسابع والثامن)؟
هذه الأسئلة، وغيرها الكثير، جديرة بالتأمل والتفكير لم تغب عن وثائق الحزب ومقرراته وقبل ذلك مؤتمراته. ولكن هل تمتصياغةأجوبة معلله موضوعية نقدية جريئة حولها؟
اعتقد أن ما تم انجازه - رغم انه ليس بقليل- ولكنه ليس كافياَ اخذين بالاعتبار التغير والتطور والتبدل والسرعة والمفاجئة التي يتميز بها عالمنا المعاصر ومنه العراق الذي شهد خلال العقدين الأخيرين متغيرات حاسمةتداخل وتشابك فيها ماهو داخلي مع ماهو إقليمي ومع ماهو دولي وعالمي.
وسأحاول إبداء الرأي في بعض جوانب الأسئلة وتحديدا منذ المؤتمر الوطني الخامس للحزب، وما تلاه ارتباطاَ بالتغيرات التي شهدها العراق في 2003.
أولا- المؤتمر الوطني الخامس - ظروف انعقاد المؤتمر:
إن التشخيص الدقيق للمؤتمر الوطني الخامس وما حققه يتطلب الأخذ بنظر الاعتبار الظروفالتيانعقد فيهاعلى الصعد المختلفة وما تميزت به تلك الظروف من تغيرات وتفاعلات نشير الى أبرزها:
أ- على الصعيد الوطني/ العراقي:
1. اشتداد إرهاب وقمع النظام الدكتاتوري (سياسة الإرهاب الشامل) وحروبه الداخلية.
2. توقف الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت (8) سنوات 1980-1988 وما تركته الحرب من آثار اجتماعية وسياسية واقتصادية.
3. حرب غزو الكويت 1990 والحصار الدولي المفروض على العراق.
4. انتفاضة آذار 1991 وفشلها في الوسط والجنوب ونجاحها في إقليم كردستان.
ب - على الصعيد العالمي:
1. انهيار المنظومة الاشتراكية وتفكك الاتحاد السوفيتي.
2. نهاية الحرب الباردة، وهيمنة القطب الواحد وإعلان " النظام العالمي الجديد " بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية.
3. ظاهرة العولمة وتجلياتها، وخاصة عولمة رأس المال، وعولمة الظواهر السياسية والتطور العلمي والتكنولوجي وثورة المعرفة و الاتصال.
4. الحروب والأزماتوالصراعاتالإقليمية في الشرق الأوسط.
ج- على الصعيد الحزبي:
1. انتقال الحزب من الكفاح المسلح الى الكفاح السلمي.
2. العمل في التجربة الكردستانية بعد انتفاضة 1991.
3. تشكيل الحزب الشيوعي الكردستاني.
4. تنوع وتعقد عمل الحزب في ثلاث ميادين مختلفة هي:
- داخل(عمق) العراق - العمل السري.
- في كردستان - العمل العلني.
- في الخارج- في أكثر من (30) بلداَ كمنظمات حزبية.
وتتباين ظروف كلميدان رغم الترابط في وحدة البرامج والتنظيم.
في ظل هذه الظروف والمتغيرات وما رافقها من آثار ونتائج و تعقيدات انعقد المؤتمر الخامس للحزب بعد ثمان سنوات على المؤتمر الرابع (1985) وناقش جملة هامة من القضايا السياسية والفكرية والتنظيمية، بجرأة وبمسؤوليةمن المشاركين، مما ينبغي الأخذ بالاعتبار تلكالوقائع عند تقييم تجربة الحزب ومؤتمره الخامس.
ثانيا- عمليةالديمقراطية والتجديد التي أطلقها المؤتمر الخامس.
انطلق المؤتمر الخامس من قناعة بضرورة وأهمية الديمقراطية والتجديد في حياة الحزب الداخلية وفي مجمل نشاطه. والنظرة السريعة للوثائق الصادرة عن المؤتمر كافية لتأكيد ذلك, حيث جاء في البلاغ: ( سادت مداولات المؤتمر الذي حمل اسم مؤتمر الديمقراطية والتجديد أجواء من الحرية التامة والصراحة، واتسمت المناقشات بالعمق والبحث الجاد، والسعي للوصول الى أجوبة معللة للأوضاع التي يواجهها العراق، مما جعله مؤتمراً نوعياً وخطوة هامة على طريق التجديد وترسيخ الديمقراطية).
وبذات الوقت، أقر المؤتمر التباينات في وجهات النظر, حيث جاء في بيان اللجنة المركزيةللحزب الصادر بعد اختتامأعمال المؤتمر الخامس النص التالي المتوفر الآن على موقع الحزب في الانترنت :- (أظهرت مناقشات المؤتمرومداولاته التي جرت في جومن الديمقراطية والمكاشفة الرفاقية الجريئة وجود تباينات في الرؤية, والاجتهاد إزاء مختلف مفاصل الحزب وسياسته الى جانب الحرص الشديد على وحدة الحزب، وتعزيز مكانتهوتطوير نضاله).
هذا التشخيص الدقيق لوضع الحزب في تلك المرحلة، يعبر عن المدخل الصحيح لعملية الديمقراطية والتجديد، التي بدأت بتحليل الأوضاع وتشخيص مواطن القوة والضعف، ثم التحديد الملموس للمعالجات. فالبداية جاءت من القناعة بضرورة التجديد، وأكد ذلك التقرير السياسي والتنظيمي للمؤتمر الخامس الذي جاء فيه: (أن حزبنا لا يستطيعالعيش على أمجاده النضالية فقط وهو مطالب بان يجدد نفسه انطلاقا من كون التجديد حاجة موضوعية ملحّة).
وقد ترجمت عملية الديمقراطية والتجديد في جملة من القضايا من بينها:
- نشر الوثائق في وسائل الإعلام.
- الديمقراطية في حياة الحزب الداخلية.
- مشاركة القاعدة الحزبية في رسم السياسة العامة.
- علنية الفكر والسياسة .
- ضمان حق الأقلية في الاحتفاظ برأيها والدفاع عنها ونشرها في الصحافة الحزبية. هذه القضايا وغيرها وجدت تطبيقها العلمي رغم المعوقات التي واجهتها. وكانت وثائق المؤتمر الخامسدقيقة حينما أشارت الى الصعوبات التيتعترض عمليةالديمقراطية والتجديد ومن بينها:
- الانشداد الى الماضي وممارساته الخاطئة.
- حكم العادات المترسخة في سلوك الرفاق القياديين والكوادر والأعضاء والتي يشكل التخلص منها مهمة شاقة.
إذن يمكننا القول أن المؤتمر الخامس أرسى بداية صحيحة وناجحة لعملية الديمقراطية والتجديد في الحزب وعموم نشاطه.. لكن الى أي مدى استمرت هذه العملية على مستوى التنظير والتطبيق؟ ثالثا- عملية الديمقراطية والتجديد في المؤتمرات اللاحقة( السادس، السابع، الثامن)
واصل الحزب التأكيد على الديمقراطية والتجديد في مؤتمراته اللاحقة، ولكن بدرجة اقل وبحماس اضعف وبتطبيق مقيد.
فعلى الصعيد النظري الوثائقي نجد المؤتمر السادس (1997) الذي انعقد بعد (4) سنوات من المؤتمر الخامس وقف عند المنجز من هذه العملية وقيمّه إيجاباَ، وأشار الى أن الجدل قائم داخل الحزب حول الموضوع، وحدد ثلاثة اتجاهات وهي:
1. الاتجاه المحافظ المتسم بالركود والأنشداد للماضي.
2. الاتجاه ألعدمي المتسم بالليبرالية والتحلل من الالتزامات السياسية.
3. الاتجاه التجديدي الذي يسعى باستمرار للاقتراب من الواقع والتعامل بموضوعية مع الظواهر.
وجاء في وثائق المؤتمر السادس( ومن بين هذه الاتجاهات العامة الثلاث هناك وسط لم يتبلور موقفه بعد, يظهر في حالات التأييد العفوي وفق اعتبارات آنية لهذه الوجهة أو تلك. غير أن هناك حقيقة واضحة وهي أن الرأي العام الحزبي الغالب هو مع عملية التجديد والتطوير بالمنظور الذي يسعى إليه الحزب).
الملاحظ هنا، أن المؤتمر السادس لم يقم بتحقيق دفعة الى الأمام على هذا الصعيد، ثم لم تثبت الحياة دقة استنتاجاته بخصوص الاتجاهات الثلاث المذكورة، وإذا وجدت، فهي اقل من ميول متناثرة غير واضحة المعالم والتأثير بما في ذلك الاتجاه التجديدي. وأخيرا نجد أن المؤتمر في الوقت الذي أكد أن التجديد ( مهمةالحزب كلهوليس شأناً يخص القيادة وحدها) حذر بذات الوقت من مخاطر على










































